حين كانت الأرض تبسط ذراعيها للناس؛ فيفترشون كرمها، ويكتفون بظل عريش من السعف، أو بيت من صخر يختبئ في حضن جبل لم يكن للطب باختصاصاته وأدويته وأجهزته المتطورة حضور في حياتهم، فليس هناك طبيب بالمعنى الذي نعرفه الآن، ولم يستعينوا بصيدلية أو أدوية إلا ما يوفره العطار، أو تقدمه الأرض من أعشاب ونباتات.

وقد كانت البساطة تكتنف حياتهم؛ فللأمراض علاجات تعلموها بالخبرة وتجارب السابقين، لذا حين يعود الحديث إلى طبيب الماضي، وكيفية التغلب على الأمراض، يذكر كبار السن أن الحياة كانت بسيطة والأمراض كانت تعالج بالأعشاب أو الوسم والدعاء هو الأساس؛ فالله سبحانه وتعالى هو الشافي.يشير عبدالله مبارك سحيم القايدي، أحد أعضاء جمعية «حتا للثقافة والفنون والتراث» إلى أن لوالدته دوراً كبيراً في هذا الاهتمام؛ فهي من السيدات المعروفات باستخدام الطب الشعبي في الماضي، يقول: العلاج في الماضي كان مرتبطاً بما توفره الطبيعة، وبمعتقدات الناس، لذا نجد أن هناك علاجات غريبة يمكن أن تدخل في خانة العلاج الإيحائي أكثر منها علاجاً، وقد كانت الوالدة تعالج بالأعشاب وبالوسم.

وكانت النساء تلجأ إليها لعلاج أطفالهن، أو لوصف الدواء لهن، وهو أمر تعود عليه الناس حين لم يكن هناك أي طبيب معروف، وكانت الحجامة تتم باستخدام قرون الثور، والعلاجات تختلف باختلاف الأمراض؛ فعلاج ريح الشين الاستسقاء والطبيخة، والتي تحضر من مجموعة أعشاب مثل «الصخبر والحرمل واليعدة والشكاع والنقيع والحلول وزعتر والهليليا والمر.ولا يختلف علاج السل كثيراً عن علاج الاستسقاء، وإذا أصيب أحد بالجدري «الحمجة»، أو الجذام؛ فيتم عزله بعيداً عن المنزل، ويعالج بالطبيخة، وفي الغالب لا يشفى مريض الجذام، وهناك مرض يسمى أبو حمير يكون علاجة لبن الحمير يحلب من أنثى الحمار، ويسقى للمريض، وعلاج لدغة العقرب علاجها تجفيف الفقع «الزبيديه» وفركها على اللدغة».

ويذكر القايدي أنه كان يجلس مع والدته ليسجل المعلومات التي يسمعها منها، لأنه يرى فيها موروثاً ينبغي الحفاظ عليه، فكان يسجل ما تقوله عن الأدوية وكيفية استخدامها، حيث كانت هناك أعشاب مختلفة تستخدم في العلاجات، إضافة إلى أوراق الأشجار كأشجار السدر التي تستخدم في علاج الماطومة والريح الأحمر وأم الصبيان، ويتم أخذ سبع ورقات من الشجرة وتنقع في الماء ثم يغسل بها جسم المريض أو مكان الألم».

وكانت هناك أسماء محلية للأمراض المعروفة ف«اللصة» تعني السرطان و«بوجنيب» هو مرض الكلي والأم الخاصرة، و«بوصفار» هو اليرقان، و«البوقة» تعني النزلة الصدرية و«بنات أزان» التهاب اللوزتين و«أبو عدوين» اسم لقرحة المعدة و«الحفة» هي الغدة المتقيحة و«الخاز باز» تعني النكاف و«السمطة» هي تشقق الجلد، و«عنكز» تعني الحصبة الألمانية، و«الباطل» هو البواسير.

و«الرضاخ» هو ألم السرة، أما الشلل النصفي فيسمى «أبو بريجع»، والتسوس يسمى «أبو قشاش» و«أم لزيقة» تعني التهابات جلدية كان يعاني منها «السيوب» وهم ساحبو حبال الغواصين بسبب بقائهم تحت الشمس المحرقة وتعرقهم الشديد، كانوا يعالجونهم بمركب من خليط من الجفت والكرط والهليلي، ويكون علاج أمراض الكلى بشراب الحلبة، حيث تغلى بذور الحلبة ويشرب ماؤها، أما مرض السرة فيعالج بفرك السرة بالرماد والملح.

ويشير القايدي إلى أن هناك أعشاباً ونباتات معروفة كان الناس يستخدمونها منفردة أو مخلوطة للعلاج منها، أما نبات المر الذي يستخدم لعلاجات مختلفة حتى قيل في الأمثال الشعبية «إذا كان عندك المر ما تشتكي من ضر»، إضافة إلى أعشاب أخرى مثل الزعتر الزنجبيل الحرمل الخيل المقل النيل اللبان، وكان سكان الجبال يجمعون بعض الأعشاب الجبلية الطبيعية ليستخدمونها في العلاج، إضافة إلى الاعتماد على العسل في غذائهم ودوائهم».

وتذكر كتب الطب الشعبي أن هناك خلطات معروفة للناس منها «المسبوع»، وهي وصفة طبية شعبية تتكون من سبعة أشياء هي الزعتر والحلبة والحلول وزهر الورد والسويدا والهليلي واللبان، تمزج بمقادير معروفة وتستخدم لعلاج أمراض عدة منها غسيل المعدة ونزلات البرد.

وتعد اليعدة أو الجعدة من أشهر النباتات الموجودة في الإمارات، حيث تجمع من سفوح الجبال، وتستخدم لعلاج اضطرابات المعدة والحصا وآلام المفاصل، وتطهر الجروح، وقد تؤكل أوراقها أو تغلى، ويكون طعمها مراً صعب التقبل.

أما حالات الولادة؛ فكانت تتم بطرق طبيعية بمساعدة سيدة خبيرة في هذا الأمر، حيث تقول أم عبدالله الكعبي لم تكن لدينا في الماضي مستشفيات ولادة، لكن بعض النساء أصبحت لديهن خبرة كبيرة، وفي كل حي أو فريج توجد داية معروفة تساعد المرأة في ولادتها، وتأخذ إكراميتها من والد الطفل.

حيث تزف البشرى للأب إذا جاءه ولد، وفي عملية الولادة تحضر الداية الماء الساخن، وقطع من القماش توضع على بطن المرأة لتشجعها فى الولادة، وتمسح على بطنها خاصة في الولادة الصعبة، وبعد ولادة الطفل يتم قطع حبله السري، ويوضع على المكان الكثير من الملح حتى يبرأ الجرح وتداوى المرأة «المربية» بحبة البركة والحبة الحمراء.

حيث تعد على شكل شراب تشربه المرأة يسمى الرشوفة، وكان الطفل الخديج يفظ في مكان دافئ بعيداً عن الهواء وينصب له ما يشبه البيت الصغير يبقى فيه حتى يتم التأكد من سلامته وقدرته على الحياة، وكانت النساء أحياناً يلدن.

وهن في البر حيث يحطبن أو يقمن بواجباتهن، وكانت المرأة تعمل في الصباح، وتقوم على خدمة بيتها في المساء، لأن الحياة قاسية في الماضي وأحياناً تكون المرأة بعيدة عن أهلها، ولا أحد يساعدها في البيت.

وقد عرفت بعض الأسر بقدراتها العلاجية فيقال إن عائلة الشريف اشتهرت بقدرتها على العلاج السريع من لدغات الثعابين من دون استعمال الأدوية وبمجرد لمس مكان اللدغة، وهناك من يتوارث طرق العلاج وخلطات الأعشاب والوسم، ويكون في كثير من الأحوال للجانب النفسي دور كبير في العلاج.

حيث تقرأ الأدعية والآيات القرآنية للمريض لتدخل الطمأنينة إلى أنفسهم، وهنا يأتي دور المطوع الذي يكتب الآيات القرآنية على طبق صيني، وفق طرق خاصة أو الذي يكتب تعويذات من الأدعية والقرآن تعلق في صدر الصبي لحفظه من الأمراض والحسد.

دبي- دلال جويد