عندما غنى الفنان الشعبي محمد قنديل أغنيته الشهيرة «يا رايحين الغورية» كانت هي الأغنية الأقرب لأحاسيس المصريين والخليجيين الزائرين للقاهرة، للتعرف على منطقة غنية بالتراث، وبسوقها المعروفة بسوق «الغورية»، تلك السوق التي يلتف حولها كل المصريين على مدى كل العصور لشراء الأقمشة المحلية والعباءات والملابس الحريمي بأنواعها المختلفة بجانب الاكسسوارات الشعبية مثل العقود والخواتم والخلاخيل.

وسوق الغورية، لمن لا يعرفها من زائري مصر هي إحدى الأسواق التجارية العريقة التي يرتبط بها المصريون، وكانت قديماً هذه السوق تعرف باسم سوق «الشرابشيين» قبل أن تسمى بالغورية نسبة إلى السلطان الغوري.وعند زيارتك لسوق الغورية، لا بد أولاً أن تمر بشارع الغورية الذي يعد متحفاً مفتوحاً للتاريخ منذ بدايته وحتى نهايته.. فعلى جانبيه مبانٍ أثرية منذ آلاف السنين من مساجد أثرية، وأخرى قديمة، ومقاهٍ شعبية، وفي مجمله يمكن القول إنه مجمع ضخم للآثار الإسلامية من العصرين الفاطمي والمملوكي يضم أهم الآثار «باب الفتوح، جامع الأقمر، تكية السلحدار، المدرسة الكاملية» حتى وكالات البيع والشراء في تلك العهود تحولت إلى آثار أهمها وكالة «الغوري» التي احتفظت بطابعها الأثري، وأصبحت تابعة لوزارة الثقافة المصرية.

سوق تاريخي

ووسط كل هذا التاريخ العريق، تجد سوق «الغورية» التي تعد من أشهر الأسواق التاريخية في مصر، حيث يرتادها يومياً عشرات الآلاف من المصريين من القاهرة والأقاليم، وأصبحت ملجأً لزبائنها، ويمكنك أن تجد فيها كل شيء يخطر على بالك.. محلات الملابس وبائعي العطور ومحلات بيع الهدايا والأحذية والحلوى والمصنوعات الجلدية والأدوات المنزلية والستائر والموكيت وغيرها من البضائع. لكن أهم ما يميز سوق الغورية أنها مواجهة لحي الحسين الذي يجاور خان الخليلي ومن خلفهما سوق الموسكي وسوق حمام الثلاثاء.. وكل منها متخصص في سلع معينة، ومن يزور هذه الأسواق لا بد أن يمر على سوق الغورية ليستكمل احتياجاته من هذا الشارع الذي تضم أزقته الضيقة هذه السوق العظيمة.

طرحة وشال

وكأن التاريخ يقف على ناصية سوق الغورية، فمنذ أن تقع عيناك عليها تجد نفسك مشدوداً إليها بقوة حيث تجذبك رائحة البخور، وشكل الهدايا التي يحملها الخارجون من مداخل السوق، بالإضافة إلى محلات العطارة والمقاهي ذات الطابع الأثري، وأصوات خبطات الدومينو والطاولة، وأسلوب العرض الجميل في مختلف المحلات.

ومازالت المساكن القديمة تحيط بهذه السوق، و الكثير منها يحتفظ بالأصالة والطابع القديم مثل المشربيات التي تذكرك بثلاثية نجيب محفوظ عندما تطل منها أمينة زوجة «سي السيد»، وفي هذه السوق تجد مكاناً من نوع آخر؛ فالبائعون بها وأصحاب المحال لا يتعاملون مع مرتادي السوق كغرباء؛ بل كأنهم من نفس الحي تجدهم يتجولون سعداء بهذا الزحام لا يخرج زبون إلا وتجده محملاً باحتياجاته؛ لأن من يدخله لا بد أن يشتري؛ فهناك الأسعار مغرية، وعبر عن ذلك الشاعر محمد علي أحمد عندما كتب أغنيته الشهيرة الغورية «هاتوا لحبيبي هدية.. هاتوا له توب من القصب يليق على رسمه.. والطرحة والشال وسلسلة وخلخال». وحاول الشاعر في هذه الأغنية التي غناها الفنان محمد قنديل أن يعبر عن عظمة هذه السوق من خلال البضائع الموجودة فيها من الملابس والهدايا والأقمشة والعباءات والملابس الحريمي والاكسسوارات الشعبية مثل الخواتم والخلخال والعقود وغيرها، كما تضم السوق ورشاً صغيرة لصناعة الطرابيش فرغم اندثار الطربوش إلا أن بعض المصانع الصغيرة مازالت موجودة تقدم إنتاجها لمنتجي الأفلام والمعارض، وللهواة الذين يجمعون التراث المصري القديم.

بعد إنساني

ومن أهم ما يلفت النظر ويعطي هذه السوق بعداً تاريخياً وإنسانياً عالياً هو المباني الدينية التي تعد آخر مجموعة دينية شيدت قبل الفتح العثماني لمصر العام 1517م، وهي مسجد ومدرسة يمارس فيها الطلبة شعائرهم الدينية، ووكالة الغوري الشهيرة ومدفن وسبيل وكتّاب، وهذه المباني تجدها في قلب السوق لها مداخلها المعروفة، وطابعها المميز، ولا بد وأنت تشتري أن تمر من أمامها؛ وكأنك تمر أمام التاريخ الذي انعكس بشكل مباشر على المحلات والمقاهي والورش الصغيرة التي تتشكل منها سوق الغورية.

القاهرة - دار الإعلام العربية