فجأة ودون مقدمات اختفت المسلسلات الدينية من خريطة العرض التلفزيوني خلال شهر رمضان المبارك، فبعد أن كانت تحتل مكانة كبيرة في الدراما التلفزيونية خلال رمضان كل عام، تقلص عدد المسلسلات تدريجياً حتى تلاشى هذا العام نهائيا حتى إن المسلسل الوحيد الذي يدور في حقبة مولد الرسول .
وهو «صدق وعده» تخلى أصحابه عن لفظ ديني، وسموه مسلسلا تاريخيا؛ ولأنها المرة الأولى التي تغيب فيها المسلسلات الدينية خلال الشهر الكريم، كان لا بد من التوقف أمام هذه القضية، ومعرفة أسباب توقف إنتاج هذه النوعية من الأعمال، وهل لهذا علاقة بابتعاد منتجي القطاع الخاص عن تقديمها خوفًا من الخسارة المادية، وعدم إقبال المعلن والفضائيات عليها؟.هذه التساؤلات تم طرحها على الفنان حسن يوسف الذي يغيب هذا العام عن رمضان، بعد أن ظل حاضرًا بقوة خلال السنوات السابقة بأعماله الدينية، فقال: «أغيب هذا العام عن المشاركة في دراما رمضان بعد التجاهل التام والغريب الذي يحدث للمسلسلات الدينية.
وبعد نجاح الحرب التي خاضوها لتهميش هذه المسلسلات، وخير دليل على ذلك ما حدث العام الماضي لمسلسل «الإمام عبد الحليم محمود» حيث تجاهلته جميع القنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية، حتى تلك القنوات التي يمتلكها مشايخ رفضوا عرض المسلسل أو تم عرضه في أوقات غريبة ومميتة، مثلما فعل التلفزيون المصري في الرابعة بعد الظهر، أو في الحادية عشرة صباحا».
غير جاذبة
وأشار يوسف إلى أن المسؤولين دائمًا يتحججون بالإعلانات ويقولون إن المسلسلات الدينية غير جاذبة للإعلانات، ولعلنا نتعجب من هذا، فمسؤولو الإعلانات اشتروا أهم 10 ساعات في التلفزيون، وتركوا الأعمال الدينية تعرض إما الرابعة فجراً أو الرابعة بعد العصر، بعد أن ترسخ لديهم اعتقاد بأن الأعمال الدينية لا تحقق نسبة مشاهدة عالية، لكن هذا الاعتقاد خاطئ بدليل أن مسلسل «لا إله إلا الله محمد رسول الله» حقق نجاحاً كبيراً، نظرًا لأن مواعيد عرضه كانت مناسبة، وهو نفس حال مسلسل «إمام الدعاة الشيخ الشعراوي» الذي حقق نجاحًا كبيرًا رُغمًا عن المسؤولين في التليفزيون، وذلك لما يتمتع به الشيخ من جماهيرية وشعبية.
أضاف يوسف: «يجب أن تهتم الحكومات بنشر الثقافة، وتقديم الرموز، سواء السياسية أم الدينية أم الاجتماعية أم العلمية، لكن الواقع يؤكد أنه لا يوجد أدنى اهتمام بهذه الرموز التي اعتبرها قدوة لإصلاح ما أفسده المجتمع، والدليل ما يحدث في سوريا، حيث تهتم الدولة هناك بالمسلسلات الدينية والتاريخية وتخصص لها ميزانيات تفوق ميزانيات المسلسلات الدرامية ثلاثة أو أربعة أضعاف».
إهمال تام
الفنانة عفاف شعيب تخصصت هي الأخرى خلال السنوات الماضية في الظهور بالمسلسلات الدينية، وعلقت على ذلك التجاهل قائلة: «عادة لا أتحدث في أي تفاصيل عندما يعرض علي العمل في أي مسلسل ديني، حيث أوافق فور عرض الأمر علي من منطلق أن ذلك رسالة لا بد أن تصل للمجتمع، لأن المسلسل الديني في الغالب يكون ذا رسالة سامية وأنا كفنانة مسلمة لا بد أن أشارك في توصيل هذه الرسالة للمسلمين».
أضافت: «في عدد من المسلسلات الدينية التي شاركت فيها ولن أذكر اسمها تنازلت عن نصف أجري، ووقعت على عقود بأجر أقل من أجري في أي عمل درامي آخر أشارك فيه وذلك لقناعتي بأن المسلسل الديني أهم وأكثر إفادة للمشاهد، خاصة إذا كان سيعرض خلال شهر رمضان .
وتستكمل شعيب حديثها قائلة: «رغم جودة المسلسلات الدينية وأهميتها فإننا نفاجأ بإهمال تام من المسؤولين سواء في التلفزيون المصري، أم في أي فضائية عربية لهذه النوعية من المسلسلات، خاصة خلال شهر رمضان، رغم أنه من المفترض أن تكون الأولوية للمسلسلات الدينية خلال هذا الشهر؛ إلا أن الجميع يفاجأ بأنهم يتجاهلون هذه المسلسلات من خلال عرضها في أوقات لا تجد من يشاهدها، إما قبل صلاة الفجر عندما ينوي الناس أن يناموا، أو قبل صلاة الظهر أو بعده بقليل أثناء فترة القيلولة على سبيل المثال، وهو ما يعني أن الأغلبية لن تشاهد هذا المسلسل».
أضافت: «لا أعرف لمصلحة من يتم فعل ذلك، ولا أخفي عليك سرًا أنني وصلت في بعض الأحيان إلى قناعة بأنهم يحاربون الإسلام والتاريخ الإسلامي بمنعهم أو تجاهلهم لهذه المسلسلات».
جشع مادي
الفنانة صابرين التي يراها جمهور رمضان من خلال مسلسل «العمدة هانم»؛ قالت: «رغم أنني لم أشارك من قبل في أي مسلسل ديني فإنني مستاءة جدًا لما يحدث على الساحة الفنية حاليًا، إذ تواجه المسلسلات الدينية عقبة العرض ومواعيده، وما زاد استيائي أكثر عدم وجود مسلسل ديني واحد يعرض خلال رمضان هذا العام رغم أن لدينا مؤلفين محترفين في كتابة هذه النوعية من المسلسلات، ولدينا أيضًا موضوعات عديدة تصلح لمئات؛ بل آلاف المسلسلات، هذا إلى جانب وجود فنانين أكفاء يقومون بهذه النوعية من المسلسلات منذ سنوات ويحققون نجاحات كبيرة».
من جهته، أكد المؤلف بهاء الدين إبراهيم - أشهر كاتبي المسلسلات الدينية - أن سبب تراجع بل اختفاء المسلسلات الدينية يرجع إلى الجشع والبحث عن المادة الذي أصاب المسؤولين في كل مكان، خاصة في القنوات التلفزيونية التي تبحث عن المسلسلات التي تحتوي على مشاهد الرقص والأغاني والمخدرات لتحقيق نسب مشاهدة عالية، وبالتالي زيادة نسبة الإعلانات.
وقال: «منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وأنا أقدم مسلسلاً دينيًا كل عام، بداية من أبو حنيفة النعمان، لكني اكتشفت أن جميع هذه الأعمال تعامل بنفس الشكل مهما كانت أهمية العمل ونجاحه، فبالرغم من نجاح مسلسل «إمام الدعاة الشيخ الشعراوي»، الا انهم أصروا على عرضه في وقت متأخراً».
وفجر بهاء الدين مفاجأة كبيرة تمثلت في اعتذار نجوم التمثيل عن المشاركة في المسلسلات الدينية لسببين، الأول: أن ميزانياتها غالبا ما تكون بسيطة مقارنة بالأعمال الدرامية، ثانيا: أنها تعرض في أوقات إما متأخرة جدا أو مبكرة جدا، وبالتالي لا تحقق نسبة مشاهدة عالية لنفاجأ جميعًا بأنها أصبحت أعمالاً غير مطلوبة.
وطالب بهاء الدين الحكومات بالاهتمام بالعمل الديني، ووضعه في مكانة لائقة، خاصة في شهر رمضان مثلما تفعل سوريا وعرضه في وقت متميز، حتى يحقق نسبة مشاهدة عالية.
تجاهل صريح
من ناحية أخرى، أكد المخرج وفيق وجدي الذي قدم عددًا من المسلسلات الدينية كان آخرها مسلسل «الإمام عبد الحليم محمود» أن المعاناة الحقيقية في المسلسلات الدينية ترجع إلى تجاهل المسؤولين لهذه الأعمال بشكل صريح، حيث يفضلون الأعمال الكوميدية والدرامية بحجة الترويح والتخفيف عن المشاهد.
أضاف: «نعاني طوال السنوات الماضية من تجاهل المسؤولين لأعمالنا التاريخية، ورغم شكوانا المتكررة لا شيء يتغير، فبالرغم من نجاح أعمال دينية كثيرة طوال السنوات الماضية، وتحقيقها لإقبال من العالم العربي بالكامل، فإن البحث عن إعلانات أكثر أصبح هدف التلفزيون؛ لذلك يتم عرض المسلسلات الدينية في أوقات صعبة جدًا، كما أن تغير موعد عرض المسلسل أكثر من مرة يصيب المشاهد بالتشتت، لافتا أن هناك فئة كبيرة تهتم بالمسلسل الديني خلال شهر رمضان».
كارثة حقيقية
الناقد طارق الشناوي يقول إن عدم وجود مسلسل ديني هذا العام يعتبر كارثة حقيقية، ووصف ذلك بأنه حرب غير معلنة لمنع أي عمل ديني، وتشتيت الناس بالمسلسلات الدرامية والكوميدية. واستطرد قائلاً: «لو نظرنا بتمعن سنجد أن هناك تجاهلاً تامًا لهذه النوعية من المسلسلات من قبل الدول، ولو تحمس لها أحد الفنانين مثل حسن يوسف تجد أن هناك حربًا غير مشروعة ضدها؛ فتجدهم يغيرون مواعيد عرضها، ويضعونها في أوقات غير جيدة؛ إما في الصباح الباكر، والناس نيام، وإما في المساء المتأخر، والناس نيام أيضًا».
وأضاف: «لا أعلم لمصلحة من تتم هذه الحرب، والتي وصلت لذروتها، فالمنتجون أنفسهم أيقنوا أنه لا مستقبل لهذه النوعية من المسلسلات، وبالتالي ابتعدوا عنها، حتى إن مسلسل «صدق وعده» الذي يشارك التلفزيون المصري في إنتاجه مع سوريا خرج أصحابه ليعلنوا أنه تاريخي، وكأن المسلسلات الدينية أصبحت سبة».
وأرجع الشناوي عدم وجود ورق جيد ليتم تقديمه إلى أن الكتّاب أحجموا عن كتابة هذه النوعية من المسلسلات؛ لأنها متعبة جدًا، وتحتاج لجهد كبير في التوثيق ووصف الملابس والحقبة الزمنية وغيرها، وفي النهاية يؤخذ المسلسل ليوضع في الأدراج في الوقت الذي تؤخذ المسلسلات الدرامية والحواديت لتنتج ويصرف عليها الملايين، وبالتالي لم يعد هناك كتّاب لها.
القاهرة - دار الإعلام العربية

