يشترك المسلمون أينما وجدوا في سمات رمضانية تبدو واحدة على اختلاف التفاصيل المتعلقة بكل بلد، ففي كل عام تزور تلك المناسبة الغالية على قلوب الجميع أقطار العالم بالتوازي، فيحتفل فيها الجميع بملامح رمضانية تترك في النفس أثراً، ويصعب على الصغير والكبير إغفالها من الذاكرة الإيمانية أو حتى الاجتماعية المعاشة، لكونها مناسبة تنصهر في بوتقتها علاقات حميمية وملامح إيجابية تغمر الصغير والكبير والغني والفقير.

ولهذه الأسباب، ولأمور أخرى كثيرة، كانت لـ «الحواس الخمس» وقفة إيمانية معبرة، تروي أشكالاً رمضانية متباعدة وفي أقطار عربية وإسلامية كثيرة، والهدف الأبعد من تلك الخطوة يرمي إلى تشكيل أجواء رمضانية تبدو على شكل حالة معرفية للجميع، لا سيما وأن تلك الملامح الحميدة تظل محط أنظار الكثيرين، ولا تملها ذاكرة بشرية أينما وجدت. اليوم نسلط الضوء على شكل رمضاني آتٍ من الكويت، تلك الدولة الخليجية الممتدة في معارفها وعلاقاتها العربية والإسلامية إلى حدود كثيرة.. ففي كل عام يستقبل الكويتيون رمضان بهمة عالية، وبملامح إيمانبة بادية، فيقبلون على المساجد التي ترتدي خلال هذا الشهر أبهى الحلل لتوفر الأجواء الإيمانية التي تليق بحجم تلك المناسبة.

وكما توضح حرم قنصل الكويت في دبي والإمارات الشمالية، فإن شهر رمضان بالنسبة للكويتين يختلف عن بقية الشهور، لكونه مناسبة تجتمع فيها العائلة بكافة أفرادها على مائدة واحدة، وهذا الواقع لا يتكرر في أيام أخرى بسبب انشغال الكثيرين بأمور مختلفة، وخلال هذا الشهر تكثر ملامح التقارب والتزاور بين الأسر والأصدقاء، بل أكثر من ذلك تزاور المسؤولين فيما بينهم كخطوة ترمي إلى أبعاد اجتماعية إيجابية أكبر.

كما تنشط في رمضان الكويت الجمعيات الخيرية الرسمية وغير الرسمية، التي تتسابق في إنفاق المال لصالح الأسر المعوزة والمتعففة، ومن تلك المؤسسات «بيت الزكاة الكويتي» الذي يتعدى في عمله حدود دولة الكويت، فيما تبدو في المشهد ذاته ملامح معبرة أخرى، التي تكون على شكل موائد الرحمن التي تقام في المساجد والبيوت، ويتشارك فيها الأغنياء والفقراء على مائدة واحدة.

المرأة الكويتية خلال رمضان تستعد للكثير، فهي التي تتولى شراء حاجيات المطبخ، والحلويات المتنوعة، وبخاصة «اللقيمات»، كما تقوم يومياً بإعداد أطباق حلوى متنوعة تزينها التمور، وفي جانب آخر تكثر ملامح صلة الرحم بالنسبة للمرأة الكويتية، فبعد انتهاء صلاة التراويح تجري العادة بأن تتوجه المرأة لزيارة أهلها، حيث تبقى في بيت والدها لساعة متأخرة من الليل.

في الكويت كما تؤكد حرم القنصل في دبي، تبقى «الهريس» و»الجريش» أكلتين مميزتين على المائدة الرمضانية، توضعان إلى جانب الأرز الذي يعتبر وجبة أساسية لدى الكويتيين في رمضان وغير رمضان.

«الهريس» طعام يصنع من القمح المكسر واللحم، والجريش من القمح المجروش والدجاج والطماطم، وإلى جانب هاتين الوصفتين، توجد الحلويات المتنوعة، وأكلة أخرى تسمى «التشريب» التي تتشكل بعد أن تمرغ رقائق الخبز في مرق اللحم، إضافة إلى ذلك هنالك الشوربة بالعدس، وهي من أشهر الأطباق الكويتية.

وفي السحور كان الكويتيون يتناولون طعامهم على إيقاع صوت «أبو طبيلة» المسحراتي، غير أن هذه العادة أضحت في سبات بفعل الوسائل الحديثة التي غيرت من بعض العادات، إذ صار وقت الإفطار والسحور مقرونا بإطلاق مدفع رمضان إلى جانب التلفزيون.

وتتشكل وجبة السحور الكويتية من أنواع مختلفة من الطعام منها المرق، فيما تندر في الكويت عادة دعوة الناس لتناول وجبة الإفطار، بل يدعون بعضهم البعض لـ «الغبقة»، وهي وجبة طعام من لحم وسلطات وحلويات تقدم قبل السحور، ولا تقتصر الغبقة على الرجال، بل للنساء أيضاً «غبقتهن».

الديوانية في الكويت، هو عبارة عن مجلس يظل مفتوحاً طيلة أيام السنة للأقارب والأصدقاء، وهو تقليد كويتي يكون على شكل غرفة منعزلة عن المنزل، يقصده الجميع من دون دعوة، يتسامرون فيه ويناقشون مواضيع شتى، سياسية وغيرها، حيث يعود تاريخ الديوانية إلى عهد قديم، وسابقاً كان مقروناً بالتجار الميسورين، فهو يعتبر برلماناً مصغراً تناقس فيه قضايا البلد بكل حرية، ويوجد لدى كافة الأسر الكويتية، يكون يومياً أو أسبوعياً، وقد توجد ديوانية خاصة بالترفيه، وتعقد الديوانيات بعد صلاة التراويح، إلا أن كبار السن لا يزالون يحافظون على عقدها بعد صلاة الفجر.

أما «القرقيعان» فهي من أشهر العادات الرمضانية القديمة في المجتمع الكويتي، وتقام في ليالي 14 و15 و16 من الشهر المبارك، وهي عادة يفرح فيها الصغار، انتقلت إلى الكبار في السنوات الأخيرة، إذ يتجمع خلالها أطفال الحي ويرتدون اللباس التقليدي، ويمرون على البيوت مرددين أهازيج شعبية معينة، فيخرج إليهم أهل الدار بالمكسرات والفواكه الجافة من تمر وفول سوداني وجوز وتين وحلويات وأحياناً نقود، فيضع الصغار هذه الأشياء في أكياس ويحملونها على أعناقهم.

والقرقيعان انتقلت إلى الكبار بعد أن كانت مقتصرة على الصغار، فما إن يقترب اليوم الرابع عشر من رمضان، حتى تتنافس المحلات والمتاجر في توفير أجود الحلويات والمكسرات والهدايا، لأن الأسر تحتفل بالقرقيعان بتبادل الهدايا، وأهزوجة القرقيعان هي بمثابة دعاء من الأطفال إلى أصحاب البيت وأبنائهم تردد على شكل أنشودة.

العشر الأواخر من رمضان الكويت، تتميز بنشاط إيماني كثيف، ففيها تكثر صلاة القيام في المساجد، وخاصة المسجد الكبير في العاصمة، حيث نية الظفر بأجر قيام ليلة القدر تتعاظم لدى الجميع، حيث تحيي الدولة هذه الأيام في المساجد، فيزخر المسجد الكبير بالعديد من الخطباء ومشاهير القراء، ويجتهد الجميع في العبادة.

فيما تقل الزيارات بين الناس في تلك الأيام، لأن الجميع لا يرغب في إضاعة الوقت بغير العبادة. وتبدأ صلاة القيام مباشرة بعد الثانية عشرة ليلاً، وتراعي المساجد ظروف الموظفين في ساعات قيام مبكرة نسبياً، وفي العشر الأواخر أيضاً، يتنافس الكويتيون في ختم القرآن الكريم، وذلك كتقليد تعلمه الجميع منذ الصغر ويدعى «الختمة».

دبي ـ عنان كتانة