أجمل الذكريات هي التي تجعلنا نبتسم، ونحن نستعيد بهجة أيامها السعيدة، والحديث عن ذكريات العروس في الماضي كان يرسم الابتسامة على وجوه السيدات اللائي جمعتنا بهن جلسة صباحية جميلة نظمها نادي سيدات الشارقة فرع الذيد، حيث تذكرت النساء ماضي أيامهن حين كن يشاركن في أفراح زهبة العرس التي مثلت استعراضاً جميلاً لمقتنيات العروس، وهي تدخل حياتها الجديدة.
بدأ حديث السيدات سمحاً سعيداً بذكريات الماضي، لكنه مشوب بخجل جميل عبرن عنه برفضهن أن تكتب أسماؤهن الصريحة؛ فقد اكتفين بالكنية لأنهن يعتقدن أن من العيب أن يعلن اسم المرأة على الملأ، وكن يتشاركن الحديث فما تنساه إحداهن تذكر به صاحبتها، وحين تطرق الحديث إلى الزهبة عادت ذكرى أنواع الهدايا التي تتلقاها العروس من المعرس، ومنها الأقمشة، تقول أم عبدالله: كانت العروس تفرح بيوم زهبتها بما يقدم لها من أقمشة متنوعة منها أبو دكة والكيمري والشربت والحشيشي والبوبلين وأبو طيرة وأبوقليم ودمعة فريد وأبو تسيعة والداغ وغيرها من الأقمشة التي تخيط منها ملابس العروس وتعرض في يوم زهبتها.وتقول أم محمد: الزهبة تأتي بعد أن تتم الخطوبة؛ فالبنت تخطب لابن عمها، أما إذا تقدم لها رجل غريب فإن عليه أن يستسمح أولاد عمها ليوافقوا على زواجه منها، ولا يوافق الأهل إلا بعد أن يسألوا عن المعرس وأصله وفصله، وتتبع الفتاة رأي أبيها.
وبعد أن يقتنع الطرفان تبدأ الأفراح، وتشتري العروس ما تحتاج إليه من ملابس وعطور وحلي حسب إمكانية المعرس، فلم تكن المرأة تشترط شراء أشياء معينة لأن القناعة كانت سائدة بين الناس، ومن يمتلك المال لا يقصر عن عروسه، وقد كان هناك تسامح في المهر فلا يكون المعرس محملاً بالديون من أجل مهر عروسه، لكن بعض الرجال كانوا يسافرون للعمل في السعودية أو الكويت للعمل، وجمع تكاليف زواجهم، فالرجل الذي لا يعمل لا أحد يزوجه.
وتؤكد أم عبدالله ان الرجل يختار المرأة لحسن أصلها وسمعتها وسمعة أهلها الطيبة لا لجمالها فقط مستشهدة بقصيدة لأحد الشعراء يقول فيها:
بت النذل ما تنوخذ لو هي رحيمة في الشباب... يصبح ولدها في المحن راقد ولا يعطي جواب... يصبح يدفي مرقده ويقول رفقتهم عذاب.
وتشير إلى أن الزواج في الأيام الماضية لم يكن مكلفاً كما هو اليوم؛ فهو ليس تجارة بالبنت لأن الأب ينتقي رجلاً يقدر ابنته ويحميها، وكان الكل يساعد المعرس في تكاليف العرس فهناك من يسهم بذبيحة أو يقدم مشاركة نقدية لشراء ما ينقص من أمور العرس، وكان إذا تزوج رجل من الفريج يفرح الجميع به، ويشارك الكبار والصغار بالاحتفال، وليس كما يحصل اليوم حيث تكون الأعراس مكلفة، ولا أحد يفكر في تخفيض تلك التكاليف؛ فالعروس تطلب وأمها تشترط وحتى الناس تشارك بالمشاهدة ومعرفة «فلانة شو لبست وفلانة شو يابت ذهب أو الماس، والحين البنات ما يبغون الذهب الا يحسبون حساب الألماس وهالسوالف إلي ما كنا نعرفها أيام أول».
والزهبة كانت تقام قبل عدة أيام من العرس وهي تتميز بأنها حدث سعيد تحتفل فيه نساء القرية أو الفريج بالعروس التي ستقبل على حياتها الجديدة مكللة بالهدايا والعطور والملابس الجديدة، فيبدأ التجمع عند وقت الضحى في بيت العروس، حيث يخصص مجلس للسيدات يكون مناسباً لاستعراض الهدايا، وعرض ملابس العروس ومقتنياتها الجديدة، ويكون للمرحات واللبقات من نساء الأسرة حضور قوي.
حيث يستعرضن زهبة العروس بطريقة إعلانية مرحة تبين اهتمام المعرس وأهله بتدليل عروسه وتقديرها بتقديم الهدايا الكثيرة والثمينة، كما يتم عرض الهدايا التي تقدم من الأسرة ويعلن عنها، وترتب بطريقة تكون ظاهرة للمدعوات، تقول أم راشد: كانت النساء تحمل هدايا الزهبة على رؤوسهن وينتقلن سيراً على الأقدام من بيت المعرس إلى بيت العروس يرافقهن رزيف الرجال وأغاني الفرح، فإذا وصلن بيت العروس اجتمعن ليعرضن ما حملن أمام قريبات العروس وصاحباتها ليبين أن المعرس قادر على تكريم عروسه وتقديم ما يليق بها، فتحتوي الزهبة مصوغات ذهبية مثل الشغاب والمرية والمرتعشة والحيول والكف.
إضافة إلى الكنادير المخورة والسراويل والشيل النيل والمنقدة وكذلك العباءة السويعية وأم التلايج، وتعرض كذلك عطور العنبر والمسك والورد والمخمرية التي تكون جزءاً من زهبة العروس، ويكون يوم فرح وسرور تقدم فيه الأطعمة والحلويات للمحتفلات، اللائي يحتفلن بترديد الأغاني والشلات احتفالاً بالعروس.
ويرتبط المندوس بزهبة العروس بشكل مباشر، فهو صندوق خشبي تحفظ فيه هدايا المعرس لعروسه فهو يحتوي الملابس الفاخرة، وفي الماضي كان يغني عن خزانة الملابس الحديثة فكانت توضع به زهبة العروس بعد عرضها ويكون معطراً ومصنوعاً من الخشب الفاخر ويزين بالنقوش المختلفة ليكون تحفة فنية تزين المكان وتعبر عن رقيه، وأغلى أنواعه ما صنع من خشب السدر بسبب ندرة هذا النوع من الخشب، بينما يكون الأجود ما صنع من خشب القرط لصلابته وقوة تحمله.
وترى أم عبدالله أن وجود المندوس كان أساسياً في كل بيت؛ فهو المكان الذي تحفظ به الأغراض الثمينة والملابس الجديدة الفاخرة، وقد كان المندوس يحتوي على جيوب داخلية لحفظ المجوهرات، والأوراق المهمة لها ولزوجها. والمندوس على عدة أنواع منها الصغير والكبير؛ فالكبير غالباً ينقش بأشكال النجوم الجميلة، والصغير اسمه السحارة يستخدم لفظ الحلي، ويوضع أحياناً داخل الصندوق الكبير.
ومع كل تألق العروس ودلالها في أيام فرحها فإن أهلها يحرصون على تعليمها مهارات الأعمال المنزلية لتكون امرأة مبادرة في بيت زوجها، كما تكون في أبهى زينتها أيام عرسها، حيث توكل امرأة كبيرة تسمى المعقصة بالاهتمام بمظهرها فتجدل شعرها وتضع لها الحناء، تقول أم سلطان: كانت البنات يعقصن شعرهن بالورد والآس واليوم يستخدمن الشامبو والصبغات التي تهلك الشعر وتتعبه، وكانت العروس تتجمل بعقوصها فيقول الشاعر:
تسعين عقص يدلوله.. غير الثنين الي رضايف.ويكون جمال العروس بارزاً في يوم زهبتها وفي عرسها، فهي أيام الفرح التي لا تعود ولا تنسى.
دبي- دلال جويد

