رمضان شهر الكرم والعطاء خصّه المولى جل وعلا بكثير من المعجزات السماوية.. فهو مناسبة دينية تعم بالكرم والسخاء، فالمسلمون في شتى بقاع الأرض يعيشون في رمضان من كل عام أياماً لا تغفلها الذاكرة، حينما تتلوَّن لياليه ببهجة لا تخطئها عين، ويحمل نهاره ما هو أكبر بكثير.

تجوب «الحواس الخمس» دول العالم الإسلامي، لترسم لوحات رمضانية معبرة عن شهر تتشارك فيه الأمم على اختلاف ألسنتها وأعراقها وألوانها بذات السمات الدينية والروحية، وحتى الاجتماعية.. وفي هذا السياق نخصص بعض المساحة للحديث عن رمضان المسلمين في بلدان متعددة.في مصر يحمل شهر رمضان الفضيل ألواناً لا حدود لها من المتعة الروحية والدينية والاجتماعية والثقافية، تتمازج فيما بينها إلى حد ما فوق الإشباع، فهو شهر يحلو فيه كل شيء، وتزدان بلياليه وأيامه حكايات لا تنقطع من المتعة الممزوجة بحاسة لا تفارق ذاكرة المجتمع المصري، وربما كل من تطأ قدماه أرض النيل ببهجتها التي لا تنطفئ حتى ما بعد رمضان والعيد والمناسبات الأخرى المختلفة.

وفي عيون مصرية، تجد لرمضان شكلاً يتألق جمالاً يفوق أي مناسبة أخرى.. هذا ما تؤكده الدكتورة عبير النجار حرم السفير مهاب نصر، قنصل عام مصر في دبي والإمارات الشمالية، التي تضيف أن لرمضان هالة أخرى مثيرة تنسجها الأسواق الشعبية والحديثة في مدن وقرى ومختلف نواحي مصر المتشعبة.على امتداد مصر بمسمياتها الصغيرة، تزدهر الأسواق خلال شهر رمضان المعظم، فتجد السلع الغذائية على اختلاف أنواعها وأشكالها تغزو كل ناحية تطالها العين، أضف إليها سلعاً أخرى يعرفها المصريون بالسلع الرمضانية، وخلال نهار رمضان يقبل الجمهور على شراء ما هو بحاجته وما سواه.. المكسرات والحلوى التي تتناول بعد الإفطار (الكنافة والقطايف وقمر الدين)، تظل الحاضر الأقوى، وتلك الحلويات هي سلع غذائية لا تطلب إلا في شهر رمضان، تلك المناسبة التي تظل بنظر المصريين احتفالية مستمرة بالطعام.

وكما توضح النجار فإنه وخلال الأسبوع الأخير من رمضان، وتحديداً مع قرب حلول عيد الفطر السعيد، فإن أسواق الملابس تشهد انتعاشاً كبيراً وطلباً لا حصر له، و يحرص الناس على مختلف مستوياتهم، على شراء الملابس الجديدة لهم ولذويهم ابتهاجا وفرحا بالعيد المقبل.

الدكتورة عبير النجار التي أفادت بتفاصيل متشعبة عن الحياة الرمضانية في بلدها مصر، توضح بأن المصريين يستقبلون شهر رمضان الفضيل بوافر من الفرح والسرور، وفيه يستبشر الجميع بشهر الخير والبركات، لا سيما أنه يبقى شهراً فضيلاً بنظر الأجيال المختلفة، فرمضان مصر يعني التعاطف بين الناس، وشعور الميسور مع غيره، لا سيما في إخراج الزكاة للمحتاجين.

أهم من ذلك كما تقول النجار ان المصريين في رمضان، يتبادلون الزيارات بكثافة، وخاصة بعد الإفطار، حيث يقام ما يعرف بمائدة الرحمن، ومنها يتذكر الناس أقاربهم وجيرانهم وأصدقاءهم، وينسون ما بينهم من خلافات، وكثيراً ما تنشغل الأسرة بمشاهدة ما يعرض على شاشات التلفاز ولساعات طويلة، حتى أن رمضان ارتبط خلال العقود الأخيرة بالمسلسلات والبرامج والفوازير وغيرها من الأمور التي تتصف بكونها مسلية.

في مصر وخلال شهر رمضان على وجه الخصوص، يزداد شعور الإنسان العادي والبسيط بأنه جزء حقيقي وإيجابي في المجتمع، فالدولة تبدي تعاطفاً ملموساً مع الجميع، وتحرص على توفير حاجات الإنسان الأساسية بأسعار تناسب دخله.. الحديث للدكتورة عبير النجار.

وعلى صعيد العائلة الواحدة في رمضان مصر، فهي تشهد مزيداً من الشعور بالدفء الأسرى خلال الشهر الفضيل، فالأبناء يتقربون أكثر من آبائهم وأمهاتهم، ويقدمون على زيارتهم ودعوتهم لتناول الإفطار والسحور معاً، فموائد رمضان المصرية تتسم بكونها تظل جماعية في الغالب، و تلم شمل الأسرة الكبيرة في قالب روحي اجتماعي لا يغادر الذاكرة، ونادراً ما تجد شخصاً يتناول إفطاره وحيداً، فرمضان شهر ألفة وبر ورحمة.

بعد الإفطار تتجه جموع الصائمين نحو المسجد لتأدية صلاة التراويح، وبعدها تسنح الفرصة للتزاور، قبل أن يلتقي غالبية أفراد العائلة الواحدة في مشاهدة التلفاز، والمعروف أيضاً كما تضيف الدكتورة النجار أن حالة «إدمان التلفزيون» عند المصريين كما هو حال غالبية الدول العربية، مرتبطة ارتباطا وثيقاً بشهر رمضان، حيث تعرض عشرات المسلسلات، ورغم ذلك فلا يمكن أن نغفل أن البعض يفضل الخروج إلى المقاهي والفنادق التي توفر برامج ترفيه خاصة بليالي رمضان.

وكما تؤكد حرم السفير المصري، فإن الدولة تقيم فعاليات متنوعة بمناسبة شهر رمضان الكريم، أشهرها ما يعرف بموائد العرض الوطنية التي يدعى إليها أقباط مصر ليشاركوا المسلمين في الإفطار وتبادل الأحاديث الودية والأخوية، وتحرص وزارة الثقافة على بعض الفعاليات الثقافية خلال رمضان مثل الأمسيات الشعرية فتدعو الشعراء والأدباء والمثقفين والعامة ممن يرغبون في حضور هذه الفعاليات.

أما وزارتا الإعلام والثقافة في مصر، فهما تتبنيان كثيراً من الفعاليات الدينية والاجتماعية ابتهاجاً بقدوم الشهر الفضيل، لا سيما التواشيح الدينية، وكثيرا ما يدعى علماء الدين للتحدث إلى الجمهور و مناقشتهم في أمور حياتهم، وذلك حينما يحرص الكثير على تأدية صلاة التراويح في المساجد التي تجدها مزدحمة بالمصلين.

وتجد في رمضان مصر أن كثيراً من مؤسسات ودور رعاية الأيتام، تظل محل اهتمام ملحوظ خلال شهر رمضان سواء من جانب الدولة أو الأفراد، وخاصة المقتدرين منهم، الذين يذهبون لزيارة هذه الدور ويقدمون الهدايا و الأموال.

في المقابل يرتبط صوم رمضان من وجهة نظر كثير من المصريين بظاهرة «الطعام المتنوع»، حيث يفكر الناس هناك خلال النهار في الأطعمة التي سينتظرونها على مائدة الإفطار، التي لابد أن تضم كل ما لذ وطاب من مشويات كاللحوم أو الدجاج أو الأسماك، وكثيراً من الحلويات الخاصة برمضان، أو ما تعرف بالحلويات الشرقية من كنافة وقطايف وفطائر وغيرها من المكسرات، وأشياء أخرى كثيرة، تشتهيها عين الصائم، إذ يعتبر الصائم هناك أن تناول الطعام متعة أساسية خلال رمضان، وغالباً ما تتناول الأسرة الطعام أمام التلفاز.

بقي أن نقول ان شوارع وأسواق مصر بعراقتها وبصلابة حاضرها، تظل تنبض حساً رمضانياً منذ الصباح الباكر وحتى نهاية الظلام، أشخاص لا تراهم إلا في ليالي رمضان، يجوبون الشوارع بأبهي الحلل، منهم المسحراتي، ومحال تجارية غارقة في جمال ولذة ما تعرضه، ووجوه تثق بكرم الشهر الفضيل وأكثر من كل ذلك بكثير.. فما أنقى ملامح رمضان في مصر.. فهي أم الدنيا وحاضنة النيل.

دبي ـ عنان كتانة