بسبب الأزمة المالية العالمية التي تعاني آثارها القنوات الفضائية، يشهد الموسم الدرامي في رمضان أزمة عاصفة تتمثل في شراء المسلسلات وعرضها حصرياً، فالملاحظ أن معظم هذه المسلسلات وخصوصاً المصرية تخطت تكلفة إنتاجها 20 مليون جنيه.

وفرص استرداد ثمن التكلفة محدود للغاية إن لم يكن مستحيلاً، فجميع التقارير تشير إلى اختفاء فكرة العرض الحصري لعزوف القنوات الفضائية عن شراء المسلسلات وفقاً لهذه الصيغة تفادياً لتكبد خسائر كبيرة، بعد تراجع حجم الإعلانات التي كانت تلك القنوات تحصل عليها في السابق، ومن ثم تم استبدال العرض الحصري ببيع العمل لأكثر من قناة، بحيث يعرض في وقت واحد بهذه القنوات، وهو ما يضمن أكبر قدر من الأرباح.وهناك اتجاه آخر أكد شراء القنوات الفضائية العربية لمسلسلات سورية وتركية مدبلجة، نظراً لقلة أسعارها عن المسلسلات المصرية، وربما يؤدي هذه الاتجاه إلى وقوع بعض المسلسلات، وتحديداً منتجوها، في أزمة كبيرة، نظراً لحجم الخسائر التي تنتظرهم.

السباق الدرامي الرمضاني لهذا العام على أشده، ومع ذلك فإن تلك الأعمال الدرامية معرضة لخطر أكبر بسبب سيطرة نجوم معينين عليها، بحكم العادة أو التعود، ما يمكن أن يكون باعثاً على الملل في ظل توجه بعض نجوم السينما إلى دخول هذا السباق، لتجديد دماء الدراما الرمضانية، مثل أحمد عز، ومنه شلبي، ومحمد رجب، ولاتزال أسماء (المخضرمين) تحتل المراكز الأولى، فهناك يحيى الفخراني.

ونور الشريف، ويسرا التي باتت إطلالتها الرمضانية ثابتة، وحسين فهمي الذي يقدم مسلسلين أحدهما من إخراج رأفت الميهي، و(العمدة) صلاح السعدني، وميرفت أمين، وعزت العلايلي، بينما تعود أسماء غابت مثل ليلى علوي، ونبيلة عبيد، ومحمد صبحي، وآثار الحكيم.

ورغم تجاوز الإنتاج المصري هذا العام حاجز الخمسين مسلسلاً، غلب عليها الطابع الاجتماعي والكوميدي والرومانسي والاستخباراتي، وغابت عنها الدراما التاريخية والدينية، إلا أنها حطمت الأرقام القياسية وتقاضى معظم الأبطال أجوراً تراوحت ما بين 3 و 6 ملايين جنيه.

كما خرجت دراما هذا العام في صورة مكثفة للتصوير خارج حدود مصر في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية والأميركية، وتناولت أحداث هذه الأعمال عدداً كبيراً من القضايا والمشكلات من بينها الفساد الإداري والبطالة وتوظيف الأموال والقروض وصراع الفضائيات وكواليس عالم الصحافة والمحاماة والطب، إلى جانب تأثير أحداث (سبتمبر) 2001 على العرب المقيمين في الدول الغربية.

ورصد السيرة الذاتية لعدد من مشاهير الفن. أما بالنسبة للمسلسلات السورية، فإن موسم 2009 لن يشهد أزمة تسويق حقيقية كالتي كانت تحصل في أعوام سابقة لسببين، الأول: انخفاض سقف الإنتاج بشكل غير متوقع ودراماتيكي، فالدراما السورية التي أنتجت في العام الماضي أكثر من 45 مسلسلاً لم تستطع هذا العام تجاوز سقف ال23 مسلسلاً.

والثاني: أن هذه الأعمال سوقت للفضائيات وهي لا تزال على الورق حيث لم يعد المنتج السوري يتجرأ على إنتاج أي عمل درامي دون الحصول على موافقة محطة ما على عرضه وبالتالي يضمن جزءاً مهماً من رأس المال الذي سيصرفه على المسلسل، كما أن هناك عدداً من الأعمال المعدة لرمضان تشارك الفضائيات في إنتاجها بشكل مباشر.

وقد تباينت آراء المراقبين والمتابعين للشأن الدرامي السوري في تفسير تراجع كم الإنتاج، حيث يعزو البعض هذا الانخفاض للأزمة المالية العالمية التي طالت تداعياتها سوق الدراما العربية على وجه العموم ولم تخص الدراما السورية فقط، بينما يرى آخرون أن الدراما التركية المدبلجة إلى اللهجة السورية ساهمت هي الأخرى في انخفاض عدد الأعمال المنتجة، حيث لجأت شركات إنتاج سورية إلى خيار الدبلجة لأنه غير مكلف وأرباحه سريعة.

وبينما يصر آخرون على أن الدراما السورية بدأت رحلة التراجع ويقدمون ما لديهم من معطيات ومؤشرات بعضها في محله وبعضها الآخر مبالغ فيه، ولا ينبئ عن تحليل موضوعي سليم وإنما هو هواجس شخصية، على حين يؤكد عارفون ومراقبون أن الدراما السورية وبعد رحلة تخبط وعدم وضوح رؤية وضبابية وارتباك على صعيد الإنتاج بدأت تستقر، ويرون أن عدد 23 مسلسلاً في العام الواحد منطقي وخاصة إذا كانت على مستوى معرفي وفني جيد، ويبدو أن الأزمة المالية ساهمت في دفع النصوص الجيدة إلى واجهة المشهد لأن المجازفة بنصوص ضعيفة لم يعد أمراً وارداً.

وقد حافظت دراما العشوائيات ومشكلات الفقر التي تطوق مدينة دمشق على تسيدها للمشهد هذا العام، بينما تراجعت الدراما التاريخية إلى الوراء خطوات أخرى وكادت تغيب تماماً لولا مسلسل (صدق وعده) وهو ليس إنتاجاً سورياً خالصاً، ومسلسل (بلقيس) الذي يعرض على فضائية دبي، وبقيت دراما البيئة الشامية في القمة رغم أنها خسرت عملاً من أعمالها وهو الجزء الثاني من مسلسل (أهل الراية) حيث ارتأت الجهة المنتجة له تأجيله إلى العام المقبل، كما أن للمسلسلات المعاصرة حصة مهمة من أعمال رمضان الحالي.

وأمام هذا الكم من الأعمال والنجوم، يتساءل كثيرون عن إمكانية متابعة هذه الأعمال من قبل الجمهور، وحقيقة لا يكون التركيز على رمضان بالدرجة الأولى لأن المشاهدين لن يتابعوا كل هذه الأعمال في شهر واحد، فالجميع يعلم ذلك، لكن الحقيقة ـ بالنسبة لصناع الدراما ـ أن شهر رمضان بخلاف اعتباره شاشة لعرض الأعمال الجديدة، فهو أيضاً فرصة للتسويق للمحطات التي ستعرض لاحقاً هذه المسلسلات على مدار أشهر العام.

دبي ـ أسامة عسل