لم تكن التجارة في الماضي، والتنقل بين مدن الدولة المختلفة بالشيء السهل، بل كانت عبارة عن مغامرة تحفها المخاطر في طرق بين الأودية والجبال، خصوصا الرحلة من حتا لدبي والعكس تستغرق سبعة أيام بلياليها تتخللها حكايات ونوادر اقرب للأساطير في يومنا هذا، ولاسترجاع تفاصيل وذكريات تلك الرحلات كانت الجولة التالية

يتذكر الوالد محمد حسين البدواوي من حتا تلك الأيام الخوالي قائلا: لم تكن الحياة في الماضي سهلة، و كان على الرجل أن يكسب رزقه من الموارد القليلة الموجودة حوله، فمنا من يربي الغنم ويبيعها، وهناك من يجني العسل أو يصنع الصخام.وإذا كان الرجل يسكن قرب الماء نجده يزرع أرضه بمختلف أنواع المحاصيل مثل الغليون والذرة والدخن والثوم والطماطم والرويد والفندال، بجانب النخيل والحمضيات ويعيش في رخاء لتوفر كل شيء عنده، وكان صاحب الحلال ومن يصنع الصخام والمزارعين يرحلون نحو أسواق ديرة لبيع بضائعهم وشراء ما يحتاجونه من قهوة وسكر وارز وملابس لأسرهم.وكان الرجال في موسم الرطب يحملون الرطب في وخايفـ سلال مصنوعة من الخوص ـ ويتوجهون بها إلى دبي لبيعها للميسورين ممن يشترون الرطب في بشارته بأسعار عالية.

ويشارك أبو سعيد محمد سيف ماسي الكعبي في الحديث الذي استضافته جمعية حتا للثقافة والفنون مشيرا إلى رحلات الماضي بقوله : كنت أشارك في تلك الرحلات بشكل مستمر لأني بدأت بتربية البوش منذ أن كنت في العاشرة من عمري، و استخدم الإبل عندي للمكاراة أي التأجير فكان الرجال يجتمعون في السفر ويؤجرون الإبل لحمل بضائعهم، وبلغت قيمة مسيرة الناقة عشرة دراهم. وكنت أسافر مع ابلي وقد حفظت الطرق ذهابا وإيابا من حتا إلى دبي أو إلى الباطنة في عمان، والسفر في مجموعات ولا يوجد من يسافر لوحده لأن الطرق غير آمنة فهناك الحيوانات المفترسة، و قطاع الطرق، وربما مرض الرجل في السفر فيهتم به أصحابه، وكان الرجال يسافرون مسلحين فمنهم من يحمل صمعة أو ميزر أو أم الرواح أو سكتون أو أم ركبة أو أم فتيلة وكلها أنواع للبنادق يحرص الرجال على اقتنائها لحماية أرواحهم وممتلكاتهم في الماضي حيث لم تكن الطرق الوعرة بين الجبال آمنة.

وكانت المسيرة نحو المدن تستمر عدة أيام فالرجال لا يركبون الإبل وإنما يقطعون طريقهم سيرا على الأقدام لأن الإبل في ذلك الوقت قليلة وهي تكفي لحمل البضائع فقط، لذا يقوم الرجل بخياطة نعل لحماية قدميه يصنعه من جلد الثور يضع عليه الرماد إلى أن يجف ثم يستخدمه، وقد كان لدى الناس صحة لتحمل مشقة الطريق ومتاعبه، لان الهواء طبيعي والطعام بسيط ولا يسبب الأمراض مثل الأطعمة الدسمة والمعلبة التي أصبح الشباب يأكلونها ويتركون طعام بيوتهم.

ويسترسل أبو سعيد في حديثه عن صعوبات الماضي قائلاً : مر علينا وقت في الماضي لا نستطيع الحصول فيه على العيش أي الارز إلا ببروة أي رخصة من دبي بسبب الحرب العالمية الثانية التي أثرت على المنطقة كلها، وقد كان الرجال يسافرون إلى السعودية والكويت والبصرة طلبا للرزق وقد سافرت إلى السعودية وعملت في مزرعة، و بعدها عدت إلى حتا وتزوجت فمعظم الرجال في ذلك الزمان يسافرون لجمع المال من أجل الزواج، و عدت إلى تربية البوش وأصبحت أبيع منها، و أمارس هذا العمل حتى اليوم.

ويشير البدواوي إلى أن الرجال يحملون معهم زوادة الطريق من الطعام والماء الذي يقتصدون به حتى يصلوا إلى بئر أو نبع ماء آخر، ويكون السح أي التمر هو الأساس من الأطعمة في الطريق وإذا كان هناك حلال من الغنم فان حليبها للمسافرين، إضافة إلى أنهم يحملون القهوة و الدقيق معهم فيصنعون الخبز على الطوباي، وإذا مروا بمساكن على طريقهم فانها بمثابة استراحات.

ويقدم لهم أهل الحي اللبن والكامي والتمر، ويتعاون الرجال فيما بينهم على قلب رجل واحد لأنهم يسعون إلى الرزق فيبارك الله برزقهم، وكانوا يبيعون العسل كل أربع كيلو غرامات بدرهمين وكذلك السمن وكان كيس العيش بدرهمين، ولم تكن الفلوس كثيرة للكنها تسد الحاجات البسيطة فالرجل يشتري لأهل بيته ما يحتاجونه من عيش وطحين وقهوة وسكر، وكذلك إذا كان العيد مقبلا يشتري لهم الملابس فيفرحون بعودته.

ويتذكر البدواوي ليالي الرحلات نحو المدن قائلا: كانت الرحلات تتم سيرا على الأقدام والكل يعرف الطريق وعلاماته وأسماء الجبال والوديان ومواقع المياه، والتخلص من الملل عبر بالغناء أو بالقصائد وحين يجلسون حول النار في الليل منهم من يقول الأشعار.

ومنهم من يروي الخراريف أو يتحدث عن رحلاته ومشاهداته في البحرين أو السعودية أو الكويت، وكانت جلسات الاستراحة تقوي العلاقات بينهم وتجعلهم أكثر قربا من بعضهم، فهم يتشاركون الطعام والقهوة والماء ولا يوجد مكان لتفضيل النفس على الآخر لأنهم يعرفون أن قوتهم بالجماعة فلا يستطيع الرجل وحده قطع تلك الجبال نحو دبي لأن الصحبة توفر لهم الأمان وتخفف عنهم متاعب الطريق.ش

تكامل اقتصادي

ميز التبادل التجاري أبناء مناطق الإمارات المختلفة، إذ إن تنوع الطبيعة جعلت لكل منطقة منتجاتها ومواردها وخيراتها؛ فكان اجتماعهم في الأسواق يؤدي إلى تكامل اقتصادي، فمن يأتي بالسمن والعسل يحصل على المالح والقهوة، ومن يأتي بالذبائح يجد البر والعيش ومن يبيع الصخام يشتري بثمنه ما يكفي أسرته حتى الرحلة القادمة.

أمثال من الواقع

من طول الغيبات يابلنا الغنايم مثل شعبي يقال للمسافر الذي يغيب مدة فيعود بالخير لأهله فالسفر والغياب في ذلك الوقت كان سعيا وراء الرزق في البر والبحر، والمسافرون بين القرى والمدن يمثلون مصادر مهمة للاخبار حيث لم يكن هناك وسائط اعلام تنقل الاحداث بالصوت والصورة.

المستحية سلاح يخيف العدو

الرحلة المحفوفة بالمخاطر بين الجبال كانت تقتضي السفر رباعة، وحمل السلاح البسيط الذي قد لا يستطيع الإطلاق أكثر من مرة واحدة؛ فأطلقوا تسميات موحية بنوع السلاح فكانت المستحية اسم البندقة التي لا تعين صاحبها إلا بطلقة واحدة قد تكون كافية لإخافة العدو وضواري الطريق من الذئاب والنمور التي كانت تسكن الجبال.

دلال جويد