أهم ما يميز دراما رمضان هذا العام هو التنوع الكبير في عدد النجوم والنجمات كبارا وصغارا، ما أعطى انطباعا عن اختلافها بشكل أضفى عليها سمة الجذب رغم كثرتها وتعدد أنواعها شكلا ومضمونا، حتى في وجود العيوب الملازمة لدراما هذا الشهر، مثل المط والتطويل الذي يلجأ إليه أبطال المسلسلات بغرض توسيع مساحة أدوارهم، والحصول على أكبر وقت ممكن من ساعات العرض الرمضاني، وهذا يدفعنا إلى التساؤلات التالية والإجابة عنها.

هل أصبح (المط والتطويل) سمة أساسية لكل الأعمال الدرامية التي باتت ضيفا ثقيلا في رمضان، وضرورة يفرضها المنتج المنفذ الذي يدفع الى النجم أو النجمة أكثر من نصف ميزانية العمل، ولا يجد أمامه مفرا من زيادة عدد ساعاته ليعوض ذلك. وما هي حكاية النجوم الذين صاروا مطلبا أساسيا تعتمد عليهم المسلسلات الرمضانية على وجه الخصوص، وهل نكتفي بالقول إن وكالات الإعلانات ترى أن وجودهم هو الذي يجمع أكبر عدد من الإعلانات قبل المسلسل وبعده، وبالتالي أصبحت المسألة اقتصادية بحتة بعيدة عن الفن وهمومه. وهل يستطيع النجم أن يحمل عملا على كتفه بمفرده ويتحمل أي أخطاء بالمسلسل، حتى لو كانت عن طريق المط والتطويل غير المبرر الذي (يهلهل) القصة ولا يستطيع المؤلف مهما كانت إمكاناته استيعابها ولمها، فكله في إطار سلق المطبخ الرمضاني ولا يوجد طهو جيد يعطي مذاقا مختلفا.

المشكلة الحقيقية أن كل أفكار الدراما هي (36 تيمة) معروفة، والمهم هو التناول وزاوية الرؤية المختلفة وجديتها، فمثلا الانتقام والغيرة والطمع والحب كلها واحدة، ولكن الأهم كيف تعالج هذا.. هو الموضوع .

أصبح المعيار للنجاح أن يقدم اكبر عدد من الساعات الدرامية، والشاطر هو الذي يبعد بعمله عن الملل والرتابة والتطويل، وهذا نادر وقليل وصعب ويتوقف على طبيعة الموضوع وحرفة الكاتب، والمسألة تبدو مثل الفرق بين القصة القصيرة والرواية فالأولى تحتاج تكثيفا، والثانية بها مساحة أكبر للبوح، لكن الحرفية هنا ألا تكون مملا للقارئ أو المتلقي فنجيب محفوظ كتب الثلاثية ورغم طول وتشعب أحداثها إلا أنها لا تنطوي على لحظة ملل واحدة بل متعة حقيقية والدراما هنا لا تختلف كثيرا.

(المط والتطويل) عندما يكون في محله غير ممجوج لأنه يستجلي المواقف ويعطي المشاهد حقه من البناء، فهنا التطويل وكثرة الحلقات له مبرر لأن مسلسلات الأدب التلفزيوني تعطي الكاتب حق النفس الطويل في الكتابة، وليس كل من يكتبون دراما تلفزيونية يكتبون أدبا تلفزيونيا لأن من يكتبونه لا يتعدون أصابع اليد الواحدة، لأن الأدب يعني الارتفاع بمستوى التعبير وعلى ذلك فهناك سينما وأدب سينما.

ومسرح وأدب مسرح، وتلفزيون وأدب تلفزيون، وفي كل هذه المجالات هناك مستويات للتعبير، فهناك مستوى جماهيري شعبي يخاطب العامة ومستوى الأدب الذي يخاطب المثقفين والصفوة وفي الوقت نفسه يخاطب العامة أيضا ولكن في هذه الحالة يحتاج الى كاتب ذي قدرات عالية جدا، أما الذين يكتبون بغزارة فلا علاقة لهم بالأدب ولكن علاقتهم وثيقة الصلة بالنقل والاقتباس والتسلق على الظواهر الجديدة وصفحات الحوادث بالصحف والمجلات.

من المؤكد أن معظم مسلسلات رمضان ـ وهذا ما أكدته التجارب السابقة ـ تسقط في بحور المط والتطويل، ويتبارى المؤلفون في تقديم أحداث ملفقة في محاولة الى الوصول إلى بر الأمان الذي حدده المنتجون ب30 حلقة، وفرضت شروطه آليات التسويق الجديدة وشركات الإعلانات، الأمر الذي جعل بعض الأعمال تصل حلقاتها إلى أكثر من 35 حلقة، لتستمر في عيد الفطر وبعده أيضا، وتحول الموقف الدرامي الذي لا يستغرق ثواني علي الشاشة إلى مشاهد طويلة مملة.

فلماذا الإصرار علي تقديم 30 و35 حلقة في قضايا لا تحتمل سوى نصف هذه الحلقات؟، ومن يتحمل المسؤولية عن هذا التطويل، هل المؤلف أم المخرج أم سياسات التسويق التي فرضت على الجميع ضرورة حشو الأعمال الدرامية بأحداث هامشية أضاعت قضاياها الأصلية، وجعلت المشاهد يهرب منها.

إن عيوب الأعمال الدرامية لا تقف عند حد تفشي ظاهرة المط والتطويل ولكن هناك العديد من الظواهر الأخرى التي أدت إلى وجود مثل هذه الظاهرة، منها سيطرة النجم على العمل الدرامي، وتسويق المسلسل باسم النجم، وهذا يتيح له أن يملي شروطه علي العمل الفني حتى يليق به، وبالتالي أصبح السيناريو حسب طلب النجم أو النجمة.

كما أن النجم يطلب أجرا مبالغا فيه ويضطر المنتج أن يقوم بإعطاء معظم الميزانية المخصصة للعمل بأكمله للنجم، ويتم تقليص باقي عناصر العمل ومن هنا يأتي العمل فقيرا، فضلا عن تعاظم قوى مافيا الإعلان، واتخاذها النجوم أداة لفرض سيطرتها على الدراما والاهتمام بالكم على حساب الكيف.

والحل هو تشكيل لجان رقابية واعية تتعامل مع الأعمال الدرامية بحزم شديد، بحيث تكون أكثر تفتحا ويتم خلق جيل جديد من الكتاب ويتم عمل ورش لرفع مستوى الكتاب وأيضا اكتشاف مخرجين جدد، ولابد من العمل المتأني لتجويد الدراما، والبحث عن موضوعات جيدة، وأن يتم التعاقد مع المنتجين على عدد معين من الحلقات لكل مسلسل حتى نقضي على هذه الظاهرة.

وأن تكون القاعدة الأساسية لقبول العمل، هي أن العمل الفني عمل جماعي، والأداء فيه يرتفع بتميز العمل بأكمله، وألا يكون النجم هو البطل، وباقي فريق العمل (كومبارس)، فعندما كانت مسلسلات التليفزيون تعتمد على نجوم الشاشة الصغيرة كانت الأعمال هي التي تصنع النجوم وليس العكس.

لذلك آن الأوان لإعادة النظر في نظام الاستعانة بالنجوم الكبار وما يفرضه ذلك من شروط على العمل التلفزيوني الذي أصبح (طويل التيلة)ـ صفة للقطن المصري الذي كان متميزا ومعروفا قديما ـ واختفى بفعل فاعل تماما كما حدث في دراما رمضان.

دبي - أسامة عسل