رمضان البركة والعطاء، هو شهر كريم.. وذلك مسمى يتصف به الخالق، وقد خصّه الله جل وعلا بكثير من المعجزات السماوية ، فهو مناسبة دينية تعم كرما وسخاء على البشرية جمعاء، وبذلك فالمسلم ومن سواه يدركون عظمة ذلك الشهر الفضيل.

المسلمون في شتى بقاع الأرض يعيشون في رمضان من كل عام هجري أياماً لا تغفلها الذاكرة، حينما تتلوَّن لياليه ببهجة لا تخطؤها عين، ويحمل نهاره ما هو أكبر بكثير.«عادات» على صفحات «الحواس الخمس» تجوب دول العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، فترسم لوحات رمضانية صادقة ومعبرة عن شهر تتشارك فيه الأمم على اختلاف ألسنتها وأعراقها وألوانها بذات السمات الدينية والروحية، وحتى الاجتماعية، والفضل إلى رمضان الجامع.. وفي هذه السياق نخصص بعض المساحة للحديث عن رمضان المسلمين في بلدان متعددة.من الإمارات، نطل عليكم اليوم الأول للشهر الفضيل، لنطلعكم على مجمل تفاصيل مشهد رمضاني مفعم بمعانٍ إنسانية نبيلة، يجسدها الإماراتيون ومن سواهم من المقيمين على هذه الأرض.

ليالي رمضان تختلف عن غيرها من الشهور الأخرى، فعندما يحين موعد السحور في يوم رمضاني إماراتي، يجتمع أفراد الأسرة على مائدة صباحية، وفي ذلك السلوك الديني المتبع، تحرص العائلة الإماراتية على تشجيع الصغار تحديداً على السحور، حتى يتذوقوا نكهة مختلفة لهذا الشهر، فيعتادوها طوال حياتهم، كما تقول آمنة الطريفي حرم مدير مكتب وزارة الخارجية في دبي. وفي أعراف أسرة إماراتية، فإن وجبة السحور تعد بمثابة الفطور الصباحي في الأيام العادية.ولا بد من وجودها كشكل رمضاني اعتاده الإماراتيون، وبعد السحور يؤدي الجميع صلاة الفجر، ثم تبدأ مرحلة تلاوة القرآن الكريم، كل حسب مسؤولياته وواقعه، قبل أن يتجه الأب إلى عمله وكذلك الام؛ إن كانت من العاملات، والأبناء يذهبون إلى مدارسهم أو جامعاتهم أو أماكن عملهم كالمعتاد، وعند الظهيرة يلتقي الجميع من دون وجود برنامج موحد، وإنما بما يوافق ظروف كل أسرة.

وتضيف الطريفي إن أفراد الأسرة في تلك الفترة، قد يلجأون إلى تلاوة القرآن الكريم والتباهي بعدد ختمات القرآن، وقد ينام البعض في فترة قيلولة أو يلجأ لمتابعة البرامج التلفزيونية الهادفة والمسلية، وعند العصر يتوجه الأب والأبناء إلى المسجد، ومن ثم تبدأ الأسرة بالاستعداد للفطور.. الأم تتابع المطبخ لتوزيع الوجبات على الأهل والجيران، وقد يخرج الأب مع الأبناء للتمتع بمشاهدة استعداد الناس لرمضان، سواء في المطاعم أو الجمعيات التعاونية وحتى في موائد الرحمن.

وعندما يحين أذان المغرب، يجتمع أفراد الأسرة لتناول طعام الإفطار.. وبالطبع فالمائدة الإماراتية الرمضانية لا يفارقها التمر واللبن، إضافة إلى أطباق تقليدية متنوعة ولذيذة؛ كالهريس والثريد واللقيمات وغيرها.

وبعد أداء صلاة المغرب تجتمع العائلة الإماراتية ثانية، لشرب الشاي والقهوة، والتمتع في مشاهدة بعض البرامج التلفزيونية الترفيهية الخفيفة.. وعند العشاء يتجه الجميع إلى المسجد لأداء صلاة التراويح، ومن ثم تبدأ زيارات الأهل والأصدقاء وحضور حلقات الذكر والموعظة، وفي ليل رمضان الإمارات أركان أخرى هادفة وممتعة لا يبهت صداها.

الخيم الرمضانية؛ واحدة من التقاليد والعادات المتبعة والمتوارثة في دولة الإمارات، خيم تجمع أبناء العائلة الواحدة والقبيلة والأصدقاء، تزهو بتفاصيلها اليومية المعاشة على وقع ليل رمضاني يتصف بالبهجة والمحبة، وتحت سقفها يتداول المجتمعون أحاديث من الحياة، ولا يخرج الإطار العام فيها عن الطابع الديني والاجتماعي الملتزم، وأكثر ما فيها تلفاز و«نرجيلة» تحلو في ليالي رمضان، إضافة إلى تفاصيل أخرى لا يجعلها شهية سوى الشهر الفضيل، مثل الحلويات والفواكه والقهوة العربية والشاي «الكرك» و«السليماني»، ويظل الهريس سيداً للمائدة بلا استثناء.

ملمح آخر من ملامح الشهر الفضيل في دولة الإمارات يظل مؤكداً، وهو المجالس الرمضانية التي لا تطرق صغيرة ولا كبيرة إلا وتغوص فيها، تكون على شكل جلسات رسمية موسعة، تجمع صناع القرار وكبار الشخصيات الإماراتية، وتتحدث في الشؤون المحلية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والرياضية، وغيرها.. وهذه المجالس التي تنفرد الإمارات في تجسيدها، تبقى صوتاً رمضانياً يرافق مناسبة دينية، وهي دلالة على متانة العلاقة التي تربط شعب بقادته، لا سيما وأن كثيراً من هذه المجالس يأخذ حيزاً إعلامياً كبيراً، وبالتالي تأثيراً مباشرا في صناعة القرار.

وكما توضح آمنة الطريفي، فإن شهر رمضان يبقى من أجمل الشهور وأحبها إلى قلوب الجميع، فهو يحظى بخصوصية لدى مجتمع الإمارات والمسلمين، ويبقى مقروناً بالفضل والرحمة والمغفرة.

يرافق ذلك الشهر استعداد نفسي ومادي بالنسبة للأسرة الإماراتية، كما هو الحال في كافة دول العالم، فهو سيد الشهور وأفضلها، وهو الوحيد الذي يترك في النفس ذكريات لا تبهت، وينفرد في منح المسلمين شعوراً بالطمأنينة والراحة النفسية.

ولعل من أبرز الملامح الاجتماعية في ذلك الشهر، التآلف والتآخي والعطاء غير المحدود، الذي لا يتبعه منة ولا أذى، إضافة إلى صلة الأرحام وزيارات الأقارب، فالإنسان العادي يود لو أن جميع شهور السنة تكون رمضان، حيث الخير الوافر والبركة والروح الإنسانية الشاسعة والشعور مع الجيران والفقراء، وغيرها من السمات التي تنعش في المجتمع روحاً جديدة.

بقي أن نذكر أن الإمارات كدولة تستضيف مقيمين من مختلف جنسيات العالم، لذلك فإن مساجدها ومرافقها العامة الممتدة على طول الوطن، تظل عامرة بموائد الرحمن.. جمعيات خيرية كثيرة تكثف من حملات إفطار الصائمين، بأطباق شهية ومتكاملة تجمع حولها مئات الآلاف من الصائمين، لا سيما من الفئات البسيطة مثل العمال وغيرهم، وأكثر من ذلك تصر المؤسسات الخيرية في دولة الإمارات على الوصول إلى أماكن التجمعات العمالية والسكنية، وتوفير موائد إفطار يومية فيها..

وفي النهاية فأينما تقطعت السبل بالشخص لحظة الإفطار، ليس عليه سوى أن يلتفت يميناً أو يساراً، حتماً سيجد واحدة من موائد الرحمن، والخير وافر ببركة الشهر الفضيل في دولة الإمارات.

دبي ـ عنان كتانة