للصيف في الماضي بهجة مختلفة، حيث لم يعرف الناس مكيفات الهواء، ولم يبتعدوا عن أحضان الطبيعة التي ألفوها بقسوتها وحنوها، لذا ما أن ترفع أشعة الشمس سياط حرارتها حتى يتأهب أبناء الساحل لرحلة القيظ نحو واحات البلاد وبساتين نخلها، في رحلة فيها من الجمال والمتعة والمعاناة في آن.
فالرحلة التي تستغرق عدة أيام على ظهور الحمايل تحمل في طياتها تفاصيل كثيرة تبدأ بتغيير المكان، حيث التوجه نحو ظلال النخيل لتقام العرشان من سعفه، ويلتقي الأصدقاء في جلسات سمر زوادتها فنجان قهوة وحبات رطب طازجة وحديث يتعلم منه الكبار والصغار، فالحاج مصبح بن شافي يستعيد أيام الماضي وهو يرى أن الحياة في الماضي كانت تحتفظ بروابط التواصل على الرغم من قسوتها، فحين يحل القيظ تجد ما يشبه العرس، إذ يأتي أهل الساحل بأسرهم وأحمالهم ومواشيهم نحو بساتين النخيل.ويكون الرجال قد هيأوا عرشان السعف لتكون بيوتاً مؤقتة لزوار الصيف، ويستقبلونهم بتقديم الرطب واللبن والكامي، معبرين عن حسن الضيافة والرغبة في إكرام الضيف، فيعيش الجميع في الأرض نفسها تجمعهم المحبة؛ فلا خلافات ولا تحاسد، الكل يأكل من بشارة الرطب.
ويعمل كل رجل في الأرض وكأنها ملكه، ولا ينسى المقيظون أن يأتوا بهداياهم من قطع القماش أو المالح والقهوة؛ فهم أبناء مدن وأسواق تتوافر لديهم ما لم يتوفر عند أبناء البساتين.ويقول الوالد ضحى بن عسكر: إن دولتنا بحكامها الأكارم وفرت كل شيء للمواطنين، ولم يعد الناس في حاجة إلى أن يقيظوا في الواحات على عكس الماضي، حيث يرحل الناس هرباً من حر الصحراء نحو الواحات والأماكن الخصبة مستبشرين بموسم الرطب، إذ إنهم يقيمون ما يقارب الشهور الثلاثة مع أقارب لهم أو أنسباء أو حتى أصدقاء جمعتهم بهم المحبة في الله، وهناك من أهل السواحل من يمتلك بساتين نخل يأتي إليها مع جميع أقاربه ليقيظوا فيها، ويساعدوا في جني الرطب وحفظ التمر وحمله معهم حين عودتهم ليكون طعامهم في أيام الشتاء الباردة.
ويضيف ابن عسكر: عند العصر كان الرجال يجتمعون للحديث والسمر؛ فمنهم من يأتي بحكاية، ومنهم من يأتي بمثل، ومنهم من يتحدث عن الموسم ومدى جودة الرطب وأنواعه، ويتحدث أهل الساحل عن أيام البحر والصيد همومه ومتاعبه وطرائفه، وربما استقبلوا ضيوفهم من البساتين المجاورة؛ فتكون تلك الأيام إجازة من عالم البحر وحر الصحراء فهم في واحة طيبة، ورحلاتهم غير باهظة الثمن كما هي اليوم رحلات الصيف إلى بلاد الغرب، حيث يحصل رب الأسرة على قرض كبير ليصيف في فرنسا أو لندن مثلاً، ويعود محملاً بالديون التي لا يعرف كيف يسددها.
وتعبر أم سعيد عن حنينها لأيام المقيظ قائلة: كانت أياماً جميلة؛ عشنا فيها مع الأهل، ننعم بالصحة والسلامة، ويكفينا أن نستريح عند ظل النخلة، وتمر عليها نسمة باردة نشعر فيها أننا في أجمل بقعة في الأرض، ويكون للنساء مجلسهن العامر بالرطب بأنواع متعددة بتعدد أنواع النخل، فإن لم يكن عندنا نوع من الرطب أرسلت لنا جارتنا من بستانها ما يكفي ويفيض، وكانت فواكه الصيف وخضاره تأتينا من الأرض مباشرة، ولا نذهب إلى سوق لنشتريها.
وكانت المرأة تحتفظ معها دائماً ببزور (بهارات) لتكون أساس طبخها، حيث تهتم بأن تجود طبختها في المقيظ لتطعم منها صديقاتها، وأهلها وتبين كفاءتها في الطبخ، وكانت النساء يجتمعن لعمل المكبات والسرود وقرض البراقع وغيرها من الأشياء التي تحتاجها بيوتهن، وكان في هذا العمل الجماعي متعة كبيرة فلا يشعرن بالملل أو التعب، بل تجدهن مسرورات وقانعات بما رزقهن الله به.
بينما تذكر الوالدة راية محمد أن المقيظ يصادف كذلك رحلات الغوص لذا يرسل البحارة أسرهم إلى بساتين النخل ويذهبون برحلة الغوص التي تستمر مدة طويلة، وتعود الأسر قبل عودتهم بأيام قليلة، حيث تكون في استقبالهم على السواحل، أما رحلة المقيظ فتكون إما على ركاب (إبل) أو في البحر خصوصاً في الرحلات نحو المناطق الساحلية مثل دبا وكلباء وشعم.
حيث نحمل معنا أغراضنا وهدايانا للنساء، وكذلك يأخذ الناس معهم مواشيهم في رحلة البر لتسمن وهي ترعى في الخصب، ولتكون مصدراً للحليب والكامي والسمن، وهي ليست رحلة بسيطة إذ إنها تستغرق أياماً، لكن الجميع يكون فرحاً بها، لأنها تغير حياتهم اليومية وتأخذهم إلى عالم جديد.
ومن لا يقيظ في أماكن أخرى كأبناء الجبال يقايض ما عنده من منتجات بالرطب، يقول محمد بن قدور اليماحي من منطقة الطويين في الماضي لم يكن لدينا نخيل يكفي حاجتنا من الرطب، ولكننا كنا نمتلك الحلال، ونجني العسل لذا كنا نذهب إلى الفجيرة نبيع الذبائح والعسل والسمن ونشتري الرطب والسمك، ولم نكن نقيظ في البساتين لأن مناطقنا ليست حارة مثل مناطق الصحراء والسواحل، لكننا نلتقي بالمقيظين ونشتري منهم بعض الأشياء مثل القهوة أو المالح، وكنا نبيع الذبائح بأسعار جيدة؛ ففي عام 1968 كان سعر العنز 15 روبية، وقد يصل إلى ال20 روبية إذا كان سميناً.
أجواء ممتعة
تمثل رياح الكوس عنصراً مهماً في تلطيف أجواء المقايظ؛ فهي رياح باردة صيفية تهب على المناطق الشرقية وتصاحبها أمواج عالية وارتفاع الرطوبة في السواحل وتأتي من بحر العرب، وتسهم في خفض حرارة الجو وجعل أجواء المقيظ ممتعة ومناسباً للسكن والعيش فيه خلال أشهر الصيف الحارة.
وللنساء نصيب
كانت رحلة القيظ تقتضي المسير من السواحل نحو المناطق الجبلية أو الواحات تستمر عدة أيام، وكانت النساء تقوم بتجهيز الرحلة ابتداء من الاتفاق مع المكاري الذي يؤجر إبله لحمل الأسر إلى المقيظ.
إضافة إلى تجهيزات المواد الغذائية وزوادة الرحلة من الطعام والشراب، فضلاً عن أنها تقتضي من النساء التحلي بالقوة والصبر وتحمل الصعاب لأنها تمر بمناطق صحراوية وطرق شاقة لابد من قطعها للوصول إلى الأماكن المنشودة، وتمثل رحلة المقيظ نشاطاً نسائياً بجدارة بسبب انشغال الرجال برحلات الغوص نحو الهيرات للبحث عن اللؤلؤ في حين تتولى النساء شد رحال الأسرة نحو المقيظ.
وجهة سياحية
تمثل المناطق الخصبة مصايف مميزة حيث تمتد بين المناطق الجبلية وما يجاورها من مناطق السهول، إضافة إلى الواحات المميزة بأفلاجها ففي الجبال نجد مناطق خت وغليلة وشعم والحيل في إمارة رأس الخيمة، إضافة إلى مناطق دبا ومسافي والطيبة وغيرها من مناطق المنطقة الشرقة، بينما تمثل منطقة الذيد واحة مميزة ببساتينها الخصبة لأهالي الشارقة.
بينما مثلت واحات العين بأفلاجها وبساتينها وجهة أساسية لأهالي أبوظبي وبعض مناطق دبي، وتنطبق الحال على منطقة ليوا، كذلك نجد أن منطقة حتا ومزيرع ومصفوت والمنامة وكلباء وغيرها من المناطق المنتشرة في أطراف البلاد تستقبل الناس لتقيهم حر الصيف، حيث تتميز بنخيلها الكثير وبأشجار الحمضيات والفواكه وأنواع الثمار التي تكون نتاج هذا الموسم.
وقفات طللية
كانت رحلات القيظ ملهمة للشعراء؛ فهي تمثل رحلة سنوية فيها من المحبة والتواصل وجمال اللقاء ولوعة الفراق الكثير، فالعلاقات الإنسانية في تلك الرحلة شكلت ثقافة أدبية تماثل الوقفات الطللية التي اعتمدها شعراء عصر ما قبل الإسلام في قصائدهم، إذ نجد فيها البكاء على الديار بعد رحيل أهلها، ومن تلك النماذج قصيدة مميزة للشاعر عبد الله بن عمير الشامسي.
دبي- دلال جويد



