زيارة «الحسين» في شهر رمضان أمرٌ واجبٌ عند البعض، أو على الأقل يمثل طموحاً لأغلب القادمين إلى مصر، حيث تتميز منطقة الحسين التي يتوسطها المسجد العتيق الذي يحمل اسم حفيد الرسول الكريم، بأجواء روحانية عالية وخاصية نادرة في شكل المكان وإبداعه، وتحيط بالمسجد مقاهٍ ومطاعم ومحال تخصصت في بيع الأنتيكات التراثية والأواني الفرعونية المزخرفة رخيصة السعر التي يقبل عليها الزوار لشراء أجمل الهدايا لأصدقائهم وأسرهم.
ومن أهم المعالم البارزة في تلك المنطقة مقهى «الفيشاوي» الذي يعد معلماً بارزاً يعود تاريخ إنشائه إلى العام 1797م، وظل هذا المقهى ملجأ لعلية القوم وكبار المبدعين حيث كان من أهم رواده أديبنا الكبير الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ.والزائر لمنطقة الحسين، أول ما يلفت انتباهه هو تلك الأعداد الكبيرة من المقاهي التي تستقبل القادمين بعضها يطل على المسجد مباشرة، والبعض الآخر يحتل أماكن بارزة في الأزقة الضيقة الكثيرة في المنطقة، ومن بينها مقهى «الفيشاوي»، الذي على الرغم من وجوده في شارع ضيق جدًا، لكن القائمين عليه تفننوا في توسيعه حتى يستقبل رواده قبل التجول في محال خان الخليلي التراثية، وإن كان الكثيرون من زبائنه لا يجدون مكانًا يسعهم بسبب الإقبال الكبير عليه فلا يتضجرون من طول الانتظار.
ومقهى «الفيشاوي» الشهير بدأ بمقهى صغير جداً قبل أن يشتري صاحبه الحاج فهمي علي الفيشاوي بعض المحال المجاورة لتوسيعه بعد أن شهد إقبالاً كبيرًا من الرواد والزائرين لخان الخليلي ومنطقة الحسين، وأصبح من أكبر مقاهي المنطقة في فترة وجيزة ليصبح الملك فاروق ملك مصر والسودان أحد رواده الدائمين.
ومن الملامح التاريخية لمقهى الفيشاوي، حسب عبدالله الحسن - 80 عامًا - وهو أحد أصحاب المحال المجاورين للمقهى وشاهد على فترة مهمة من تاريخه، أن علية القوم وكبار رجال الدولة والمسؤولين بالدول العربية والأجنبية كانوا يزورون مقهى الفيشاوي.
وقال إنه شاهد كثيراً من الرؤساء والزعماء يزورون المقهى منهم الرئيس السوداني جعفر محمد نميري، والرئيس الجزائري بوتفليقة، والرئيس صدام حسين قبل توليه الحكم في العراق، ووزراء كبار من مصر ودول عربية شاهدهم بنفسه بحكم عمله في الحسين منذ أكثر من 50 عاماً متواصلة منذ أن كان بائعًا متجولاً إلى أن اشترى الطبلية التي يقف عليها اليوم.
وتحدث الحاج عبد المقصود الأسيوطي، الذي يتردد على منطقة الأزهر منذ العام 1943 وحتى الآن لشراء بضاعته من شارع الأزهر ويوزعها في صعيد مصر هو وأبناؤه، أن كل الفنانين في مصر كانوا يترددون على المقهى، وقال إنه شاهد أكثر من مرة أم كلثوم، وكذلك محمد عبد الوهاب برغم أنه كان قليل الاحتكاك بالناس الذين يترددون على المقهى.
وفي دردشة مع أحد العاملين في المقهى والذي عمل فيه فترة طويلة، وبسؤاله عن أهم زوار المقهى حالياً قال إن كل الفنانين المصريين يترددون على المقهى، ولكنهم في الآونة الأخيرة أحجموا عن الحضور نسبة لضيق المكان الذي لا يستوعب الأعداد الكبيرة من الناس التي تريد أن تقصد تحيتهم مما يسبب لهم بعض المتاعب.
ويضيف أن الشعراء الكبار كانوا يناقشون قصائدهم في هذا المكان مثل كامل الشناوي وعباس محمود العقاد وغيرهما، وقال برغم أنه لم يشهدهم شخصياً، ولكن البعض حدثوه عن ذلك كثيراً.
الكثير من المحطات التلفزيونية العالمية عندما تأتي للقاهرة لإنتاج برامج توثيقية لا بد أن تضع مقهى الفيشاوي من ضمن المعالم المهمة التي يتم تصويرها والتحدث مع رواده، أو تصوير شخصيات وإجراء حوارات وبرامج من داخل المقهى كمكان أثري يثري البرنامج من حيث الديكورات وعبق المكان الذي يعشقه رواده وزائريه؛ خصوصاً أن المقهى يعد مركزاً للأحداث التاريخية التي خرجت من بين جنباته حيث كان الملك فاروق الذي يرتاد المقهى دائماً، وله مكان مخصص فيه مع حاشيته وكبار معاونيه يتداولون أمور البلاد.
القاهرة - دار الإعلام العربية

