تجمع السيارات أمام بوابة منزل الجيران أصبح مدعاةً للحيرة؛ فإن لم تكن هناك علاقات وروابط قوية بين الجارين، يتوجب الأمر الاستفسار والحذر عن نوع المناسبة، خصوصاً ان ترافق الأمر مع خيمة كبيرة وكراس كثيرة وقدور للولائم، فقد يستعد المرء للتهنئة أو للعكس تماماً.

لماذا هذا التشابه في مظاهر الاحتفاء والبذخ في كل المناسبات التي تجمع المدعوين سواء أكان احتفالاً بالزواج أو قدوم مولود جديد أو حتى وفاة أحد الأقارب، وهل هذا الأمر مقتصر على مجتمعنا المحلي أو هي عادة تكاد تكون إقليمية على المستوى العربي. (الحواس الخمس) رصد هذه الظاهرة وتتبعها. ثلاثة أيام من العزاء تكاد تجمع عادات الشعوب العربية على أيام العزاء الثلاثة الأولى، فالجميع يهتمون بهذه الأيام ويحيون فيها طقوس الحزن. محمد حمد، موظف إماراتي من عجمان، يقول: العزاء ثلاثة أيام في تاريخ المنطقة، وقد دأب الجيران على مساندة جارهم المنكوب بإطعامه وكذلك ضيوفه خلال أيام العزاء، إلا أن الأمور تبدلت بتغير طبيعة المنطقة، فأصبحت أسرة الفقيد تنصب خيمة العزاء وتتعاقد مع أحد المطابخ الشعبية لتقديم وجبتي الغداء والعشاء للضيوف طوال الأيام الثلاثة.

البعض يغالي في الترتيبات ونوعية الكراسي التي سيجلس عليها الضيوف وما شابه، فتبدو الخيمة وكأنها معدة لاحتفال سعيد، غير أن الجو العام لابد، وأن يتشح بالحزن احتراماً للميت، وكثيراً ما نجد الضيوف يتبادلون أطراف حديث شيق حول أمور الحياة وعالم الاقتصاد والأسهم أحياناً متناسين أنهم يجلسون في مجلس للعزاء لا للسمر، إلا أن هذا الأمر قد يكون محموداً أحياناً للتخفيف عن أهل المصاب والترويح عنهم، لكن شرط احترام خصوصية العزاء وأجوائه.

قدوة حسنة

إيمان فارس، صاحبة مؤسسة عقد الياسمين الوطنية لتنظيم الفعاليات، تشير إلى أنها لم تنظم إلا مناسبات سعيدة، غير أنها تجد الإسراف في الطعام في حفلات العزاء بعيد عن الدين، إلا أن إطعام الطعام سنة حسنة، وإن كان هذا الإطعام بقصد الصدقة فهو أمر محمود بلا شك، وتقول: ارتبط الإطعام في العزاء بعادات المنطقة، وهي عادة حسنة.

والمغالاة في هذه المسائل تعتمد على أهل المتوفى، ولعل من الجميل أن نقتدي بالمراسم البسيطة التي ترافقت مع وفاة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وكذلك مصابنا بالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، فقد كان كل شيء بسيطاً ومتزناً يتناسب وحجم الألم الذي نشعر به. الموت تذكرة وعبرة للأحياء، وعلينا الاهتمام بالدعاء والصدقات وذكر محاسن الموتى بدلاً من المغالاة في إعداد المراسم.

لبن وعش البلبل

سعد الهاشمي وهو إعلامي سوري مقيم في الإمارات يقول: يقوم أهل المتوفى بطباعة أوراق (النعوة)، ويقومون بلصقها على الجدران بواسطة النشاء المطبوخ في المناطق والشوارع المجاورة لمنازل الأقارب وقرب مكان عمل المتوفى لإعلام الناس بحادثة الوفاة. بعد الدفن يتفرق الناس ليجتمعوا ثانية ما بين صلاة المغرب والعشاء بوجود مقرئ أو أكثر للعزاء وعادة ما يكون في منزل المتوفى إذا كان المنزل واسعاً.

ولكن حديثاً يقوم بعض الناس باستئجار خيمة (صيوان) ثلاثة أيام تنصب أمام منزل المتوفى وسط الشارع، وتجتمع النساء في المنزل، وغالباً ما يقمن في هذه الأثناء بقراءة القرآن الكريم كاملاً ولمرات عدة. ويقوم أهل الفقيد بتقديم القهوة المرة والماء للحضور، وفي بعض الحالات تقدم المسابح والمصاحف الصغيرة.

وحول رأي الدين في هذه المظاهر يقول الداعية أحمد الكبيسي: لا عزاء بعد ثلاثة أيام، وهو أمر معروف لدى المسلمين، وكما قال رسولنا الكريم (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم)؛ فمن السنة أن يصنع الأهل والجيران الطعام لأهل الميت؛ فهم مشغولون بالمصيبة، فمن الواجب القيمي والأخلاقي والديني على جيران أهل العزاء تقديم الطعام والتناوب على تقديم المساعدة، والقرب منهم للتخفيف عنهم في مصابهم، ولقاء المصاب بالناس يخفف عنه.

التقاليد واحدة في كل البلاد العربية، وهي ما جاءت بها السنة أيضاً، أما أن يقوم أهل الميت بالإطعام والتحضير للضيوف فهي خلل في التقاليد، ولكن إن كانوا مقتدرين وعلى سعة ويرغبون في إقامة العزاء بأنفسهم وإطعام القادمين لتقديم العزاء فلا حرج، وهو من باب الصدقة، خصوصاً أن كل الأمور أصبحت ميسرة الآن بفضل وجود المتعهدين والمطابخ التي تجهز الأطعمة؛ فلا خوف على أهل الميت من التعب الجسماني، ويبقى أهم ما في الأمر هو عدم الانشغال عن الميت بأمور الدنيا والاهتمام بالدعاء له..

دبي - أمينة الجسمي