تناولت السينما العالمية منذ زمن بعيد العديد من القضايا والمشاكل المزمنة التي عكست واقع الشعوب والمجتمعات، لذلك برعت في تقديم أفلام تتناول الأمراض والأوبئة التي انتشرت في أوروبا وأمريكا في فترات زمنية معينة، فمنذ بداية القرن السابع عشر بدأ العالم يصحو على إحدى الكوارث الصحية الإنسانية المتمثلة في مرض الطاعون الذي انتشر في جنوب آسيا، وقضى على حوالي ثلثي سكان الصين، ومن بعدها تفشى في أوروبا بسرعة البرق.
وبالطبع، لم تقف السينما العالمية ـ خاصة السينما الأميركية ـ صامتة تجاه ظهور هذا المرض وغيره من الأمراض المختلفة، بل ذهبت تعبر عنها بأشكال مختلفة تطورت مع تطور صناعة السينما، فأحيانًا كانت تستند قصص الأفلام إلى واقعة حقيقية، يعيد كتاب السيناريو صياغتها بشكل درامي فني، ويقدمونها للجمهور بعيدًا عن مفهوم التوعية والتحذير، وأحيانًا يأخذ كتّاب السيناريو الحدث الأكبر، وهو الحديث عن وباء أو مرض ما، لكنهم يصفون نوع هذا المرض بتخيلهم وأفكارهم، بل يقدمون الحل أحيانًا لمواجهة هذا الوباء المصطنع.
وتعد أمراض الحروب والفواحش من أهم الأمراض التي أخذتها السينما العالمية مصدرًا مهمًا لها في العديد من أفلامها، فمعظم الأوبئة التي ظهرت منذ حوالي خمسة قرون، كان انتشار الدعارة في أنحاء العالم السبب الأساسي لولادتها، من أهمها مرض الطاعون الذي قضى على نصف سكان العالم تقريبًا منذ ظهوره والى الآن..
واستحداثًا لهذا النوع من الأمراض ـ أمراض الفواحش ـ نشهد حاليا انتشارًا كبيرًا لمرض نقص المناعة المكتسبة الإيدز في كل دول العالم، وفيما فشلت الطرق العادية في التصدي لهذا المرض، استعرضت السينما العالمية هذا المرض بطريقة غير مباشرة، فأنتجت السينما الهندية العام 2006 فيلمًا روائيًا بعنوان «لماذا يحدث هذا؟» عن قصة امرأة تعيش وحيدة مع طفلها الذي يعاني من هذا المرض.
كما قدمت فيلما آخر بعنوان «سنلتقي مجددًا» ثم توالت الأفلام العالمية التي عرضت لنفس المرض وأمراض أخرى، مما أعطى النقاد شعورًا سيئا خوفًا من إتباع هذا الاتجاه في تصنيف صناعة الأفلام إلى القضايا التي تنتمي إليها فأسموها سينما الحملات.
النوع الثاني من الأمراض التي تناولتها السينما العالمية تمثل في أمراض الحروب، حيث يعد هذا النوع الأكثر انتشارًا في الدراما السينمائية العالمية، خصوصًا في الأفلام الأمريكية والفرنسية، وأمراض الحروب هي الأمراض التي تتكاثر وتنشأ في ظل وجود المخلفات النووية والإشعاعية التي تستخدمها الدولة المعتدية على الأرض منبع الخلاف، فمنها انتشر مرض الكوليرا وغيره من الأوبئة التي لم تكن موجودة من قبل، وأحدثها مرض السرطان.
عرضت السينما العالمية معظم هذه المشكلات الإنسانية داخل إطار سينمائي محكم لا يشعر معه المشاهد أنه يشاهد فيلمًا وثائقيًا ولا فيلمًا توجيهيًا، نذكر منها الفيلم الأمريكي «القطار»، ويروي قصة أحد الهاربين من العدالة.
ووسط هروبه وتجوله يكتسب المرض دون أدنى وعي منه، لكنه يستكمل قراره بصعوده على عربة أحد القطارات التي تقل أعدادًا كبيرة من المسافرين، وببحث الشرطة تكشف مكانه ولكنها لا تذهب للقبض عليه، بل تضع القطار ومن فيه رهن الاعتقال، فتفصله عن الحياة المحيطة لأن كل من فيه صار يحمل الوباء القاتل، إنها طريقة بوليسية مشوقة اعتادت السينما الأمريكية عليها من خلال دمج الفكرة الأساسية بأساليب عديدة أهمها التشويق والإثارة والحركة.
وبالإضافة إلى أمراض الحروب والفواحش، لم تكن أنفلونزا الخنازير التي تهدد العالم حاليا.. لم تكن غائبة عن صناع السينما العالمية، حيث قدموا العديد من الأفلام التي عرضت للمرض وأمراض أخرى مماثلة، وتوقعت حينها عودة أنفلونزا الخنازير بتمحور جديد، وهو ما حدث بالفعل في الوقت الراهن.
ويذكرنا رعب وباء الخنازير بحكاية جنون البقر وأنفلونزا الطيور التي لا تزال تعشش في بلدان فقيرة أكثر من سواها، وكانت معضلة أنفلونزا الطيور أنها تتنقل عبر أجنحة طير لا يمكن منعه من اجتياز الحدود مثلما لا يمكن العثور على الطيور في بيوت فقيرة عرفت كيف تخفي مصدر رزقها عن أعين وزارة الصحة، كما تفعل المنظمات السرية في إخفاء المحظورات، دون أن تعي العائلات الفقيرة أن تلك الطيور والكائنات الوديعة تحمل لها الموت.
تلك الكائنات الوديعة والأقدم، في تاريخ الإنسان، رفقة له، حصدت من جراء «وباء سارس» في الصين أكثر من 800 شخص، ولو كان الحدث في بلد صغير بالسكان لبات المجتمع في كارثة عظمى تسجل له في وثائقه التاريخية،.
كما هي الأحداث التاريخية القديمة عن حكايات وباء الطاعون والكوليرا، وتصبح رواية «الحب في زمن الكوليرا» مهمة هذه الأيام، فعلى الأقل أنها تجعلنا نضحك من سوء حالنا المحاطة بحكايات الرعب، وبأوبئة صارت تتكاثر في قرننا بفيروسات لا حد لها، يبثها فضاء ملوث.
ترى هل هناك وباء أخطر من وباء الحرب؟، فقد حصد وباء الحرب في أيام قليلة في سيريلانكا وغزة وأفغانستان وباكستان والعراق وغيرها أرقاما أكثر رعبا، وعبرت عنه السينما الأميركية بأفلام كانت وما زالت تشكل علامة فارقة في الفن السابع، وتدفع إلى المطالبة بالمزيد من تلك الأعمال التي ترصد وتحلل في إطار روائي أكثر منه وثائقي، من أجل وقفة لتخليص الإنسانية من هذه الأوبئة التي يساهم فيها البشر بشكل ما أو بآخر.
القاهرة - دار الإعلام العربية
