الجدار الخالي يوحي بالانتظار، وربما ترك لنا فرصة لتخيل ما يمكن أن يزينه، فزينة الحائط لا تتوقف عند لوحة تشكيلية، أو صورة فوتوغرافية مكبرة، وإنما هي أفق مفتوح لجماليات متعددة تختلف باختلاف الثقافات والأذواق والاهتمامات. (الحواس الخمس) يتسلق جدران الفن ليكشف ما يدور وراءه من جماليات وخفايا.

من المعروف أن الجدران التي تجسدت عليها أولى مخطوطات الحضارة البشرية، حملت في ما بعد أهم أعمال المبدعين، وربما أعلاها سعراً، فاللوحة لا تكتمل إلا بوجود جدار يحملها ويعرضها ويقدمها للناظر لينسى الجدار، وينشغل باللوحة الموجودة عليه، وهو بهذا يشبه صفحة بيضاء يختفي بياضها، وتنتفي أهميتها ما أن تبدأ الخطوط أو الصور باحتلال مساحتها، وهي ببياضها تعني فراغاً يحتاج إلى الامتلاء، والامتلاء الأجمل يكون بوجود شكل جمالي يأخذ مكانه المناسب.وجدران المنزل يمكن أن تتحدث عن صاحبها عن طريق الديكور الذي يختاره لها فهي يمكن أن تحكي قصة اهتماماته لضيوفه، لأنها تشكل إعلاناً صريحاً لذوقه وأسلوب الحياة الخاصة به، لذا يهتم معظم الناس باختيار ديكورات الجدران بعناية كبيرة، لكن الوقوع في فخ المبالغة أو البحث عن الفخامة على حساب الراحة خطأ قد يفشل كل خططنا لتقديم مكان جميل وراق ومريح في آن.

مصممة الديكور الإماراتية، رؤية الهاشمي، ترى أن اختيار اللوحات الجدارية أو ساعات الحائط أو الشمعدانات والرفوف يجب أن ينسجم مع أثاث المكان وحجمه وطريقة تصميمه، إذ إن اللوحات أو تعليقات الحائط المودرن لا تتماشى وقطع الأثاث الكلاسيكية، إضافة إلى أن الألوان ينبغي أن تكون متناغمة مع بعضها، وليس بالضرورة أن يكون ديكور الحائط مشابهاً للأثاث في لون. وإنما ينبغي أن يكون هناك انسجام لوني في اختيار اللوحات أو زينة الحائط، ولا يمكن تحديد اللوحات المناسبة لأي مكان قبل وضع الأثاث فيه، لأننا قد نختار لوحات أعجبتنا، بينما يقع اختيارنا على تصاميم أثاث مختلفة لا نستطع وضع اللوحات معها، ما يشكل خسارة مادية ربما تكون كبيرة إذا كانت تلك المقتنيات غالية الثمن.

وقد يغفل كثير من الناس أن زينة الجدار يجب أن تعطي شعوراً بالراحة لسكان البيت، لأنها ستكون حاضرة حولهم في كل الأوقات، لذا فإن التعليقات الغريبة والمخيفة أحياناً قد تدهش الضيوف الذين يبقون ساعات معدودة فقط، بينما تضايق السكانين لأنها تبقى أمام أعينهم على الدوام، وهو أمر ينبغي أن يلتفت إليه رب الأسرة فيحرص على أن يكون اختيار زينة الجدار جماعياً، ليكون مريحاً لكل أفراد الأسرة.

ولعل زينة الجدران هي أكثر أشكال الديكور تنوعاً، إذ إن الجدار يمكن أن يقبل الكثير من الأفكار الجميلة والمتميزة، وربما كانت أول أشكال زينة الجدران رؤوس الحيوانات المحنطة التي كان يعلقها الصيادون على جدران كهوفهم ليبينوا قوتهم ويتفاخروا بها، وبقيت تلك الزينة حتى يومنا هذا مطلوبة لدى بعض الناس، بينما شكلت الأقنعة جزءاً آخر من الزينة المرتبطة بمعتقدات الشعوب وموروثاتهم.

بينما شكلت اللوحات الفنية زينة كلاسيكية عرفت في القصور، وفي بيوت الفقراء، وهي حتى اليوم تشكل جزءاً أساسياً من زينة الجدران، والتعبير عن الاهتمام بالرسم كونه إبداعاً إنسانياً لا يخبو، وربما أخذت اللوحات المؤطرة أشكالاً بعيدة عن الرسم لتتشكل في تطعيمات المعادن كالفضة والنحاس، أو تحمل أنواعاً من الزهور المجففة بعناية أو فن الكولاج أو المطرزات والمنمنمات الفنية المختلفة.

ساعات الحائط شكلت نموذجاً آخر للزينة ذات الأغراض المنفعية؛ فهي من الأشياء التي يمكن أن نجدها معلقة في معظم جدران غرف البيت، وتشكل جانباً جمالياً مميزاً كونها توفر معرفة الوقت بمجرد النظر إليها، وهذا هو السبب في أن ساعات الحائط تشكل عنصراً أساسياً من تأثيث المنزل، يضاف إلى ذلك أن تصاميمها الجمالية تضيف خصوصية مميزة للمكان.

وللمرايا حضور وافر في ديكور الجدران؛ فهي تمتلك خصوصية أنها شكل جمالي متجدد وشاغل؛ فانعكاساتها تتغير بتغير المشهد أمامها، وتشغل الناظر إليها بها وبنفسه، لذا يجب وضعها في الأماكن المناسبة التي تعطي سعة للمكان، ولا تشغل الحاضرين بالنظر إلى أنفسهم فيها.

وقد اختلفت زينة الحوائط باختلاف الثقافات؛ ففي إيران نجد أن لوحات السجاد الفارسي هي الأجمل والأغلى ثمناً في ديكور الحائط ما جعلها تكتسب شهرة عالمية، فيقبل الناس على أنواع السجاد العجمي لحرفيته العالية ودقته الفنية، وأصبح شراء سجادة ثمينة ادخاراً يقبل عليه بعض الناس، بينما كانت لوحات الخزف الملون وجداريات الخزف تمثل طابعاً عراقياً يحيل إلى حضارات العراق القديم وأشكالها الجمالية، لذا تبقى زينة الجدران محتوى ثقافي وذوقي تعبر عن أصحابها بقوة.

دلال جويد