أجواء رومانسية، وضواح هادئة، تجعلك تشعر بأنك تعيش على كوكب آخر مفعم بالجمال والحب، لترى مناظر ليس لها مثيل، وتسمع قصصا وأساطير وكأنك تعيش في ألف ليلة وليلة، إنها فينيسيا، المدينة العائمة عاصمة الرومانسية في العالم. «الحواس الخمس» يأخذك اليوم في جولة لتعيش لحظات ساحرة في مدينة الخيال.
تطل مدينة فينيسيا على البحر الأدرياتيكي، وتتميز بجوها الجميل المعتدل أثناء فصل الصيف، فالرطوبة لا مكان لها هنا، وهو مايزيد من روعة السياحة فيها، باستثناء ساعات قليلة تكون الشمس فيها حارة بعض الشيء، وبطبيعة الحال ساعات الليل فيها الأجواء مناسبة وجميلة فوق ما تتصور، وتتميز فينيسيا بساحات رئيسية، إلا أن أكبرها وأكثرها شهرة ساحة سان ماركوس، التي تطل من جهة على البحر ومن جهة أخرى تطل على ساحات كبيرة يحيط بها مبنى قديم يحتوي على المتاجر الصغيرة والمطاعم المتعددة، وتجسد الساحة الفن الايطالي والحياة الايطالية الصاخبة. وتعلو البنايات الشاهقة فيها ويعود أكثرها حداثة إلى 900 سنة خلت، وأشهر معالم الساحة هو الجرس الشاهق الذي يتوقف الناس تحته، ويتجمعون بشكل رئيسي.
كما أنها تحمل ذكريات النصر للملوك وهم عائدون من الحرب منتصرين، وتحمل أيضا ذكريات حزينة للهزيمة والاحتلال، ويمكن التجول عبر متاحف وقصور الساحة مع دليل عربي، ليحكي لك تاريخا طويلا وذكريات متعددة.
قصر الشؤم
تتكون المدينة من جزر وكنائس وقصور ومنازل بسيطة وشوارع مائية وحارات برية ولوحات فسيفساء تاريخية، وقصص وحكايات حب وعشق وغرام، وأساطير وخرافات منتشرة بين الناس، توجه مثلا إلى جسر الشيطان الذي يتفرع منه أيضا شارع الشيطان، ستجد أن سبب تسميته هو تكرار حوادث الغرق عند عبور الجسر وقد أرجع أهل المدينة الغرق إلى الشيطان الذي يجذب الناس أو يدفعهم للغرق، وهذه الأسطورة جعلت من الجسر مزارا سياحيا، وهناك سوف تسمع العديد من القصص الممتعة.
واستكمالا للأساطير توجه لزيارة بيت الشؤم أو النحس المصاب بلعنة، وهو قصر مقام على الجزيرة بناه جاوفاني داريو من عائلة غير نبيلة، منذ قرون، وجعل واجهته من الرخام النفيس والمرمر، لكن كل من سكن فيه انتهى بالإفلاس أو الانتحار، ومنهم تاجر أرمني كان يتعاطى تجارة الاحجار الثمينة، لكنه تحول الى متحف يحكي قصص هؤلاء الناس الذين اشتروه وعاشوا فيه ثم لحق بهم النحس بطريقة أو بأخرى.
قناع الفخار
يبدأ الكرنفال في 28 يناير حيث يتراشق الناس المياه ويحيط بهم الحمام والفرق الموسيقية تعزف الألحان وتجد العروض في الساحات والمسارح، من ساحة سان ماركو إلى سان باولو، ومن جزيرة جوديكا إلى جزيرة مورانو، وسترى محلات الملابس التنكرية تعح بالملبوسات الغريبة والأقنعة والحلويات الخاصة بالكرنفال التي تشبه العوامات.
وارتداء الأقنعة في الاحتفالات يعود إلى تقليد روماني حيث يتخلص الناس من شخصياتهم الأصلية، ويصبحون كلهم مجرد رؤوس متساوية في القدر والمقام، واحتفظت فينيسيا بهذه التقاليد وكان القناع يصنع من الفخار أو الجص عام 1270 ثم سنت بعد ذلك قانونا لمنع سوء استعمال القناع لأن البعض كان يضعه ويضيف إليه لحية مستعارة إمعانا في التخفي.
رحلة بالجندول
«الجندولا» رحلة رائعة لا يمكن نسيانها، فبمجرد وصولك إلى فينيسيا ستعرف أن هذا الجندول ارتبط بالمدينة التي تعتمد عليه اعتمادا كبيرا، ولا تكتمل زيارة وسياحة فينيسيا دون أن تستقل قاربها الشهير الذي يتميز بلونه الأسود وعرضه الذي لا يزيد على متر، بينما طوله يبلغ نحو عشرة أمتار، وهو الوحيد الذي يستطيع أن ينقلك بين أزقة المدينة ومجاريها الصغيرة، التي لايزيد عمقها على مترين والأهم من ذلك زيارة قصور نبلاء فينيسيا القدماء ستتضمنها هذه الجولة التي لن تتمكن منها إلا مع الجندول، الذي سينقلك إلى أبرز معالم المدينة.
ومن أبرزها منزل كازانوفا أو زير النساء المحلي الشهير، الذي يفخر به كثيرا أهالي فينيسيا، ونحتت صورته على مقدمة المنزل ذي الأربعة طوابق، والجميل في الأمر بحارة الجندول الذين يحملون على عاتقهم التعريف بالمدينة، وحرصهم على ذكر المعلومات وأبرز المعالم والدفاع عن سمعة فينيسيا التي يرون فيها أجمل مدن العالم.
عند تناول الغداء لابد أن تتعرف على مطاعم فينيسيا التي تشتهر بالأسماك والأكلات البحرية وخاصة سمك القد، وهناك الأرز الأسود حين يستعملون سمك الحبر، ومن الأطباق الشهيرة الأرز بالبزاليا، والطبق التقليدي هو الكبدة بالبصل الذي يمثل شخصية أهل البلد، فطهي البصل يتطلب الوقت والصبر لقليه على نار خفيفة في زيت الزيتون حوالي نصف ساعة، أما الكبدة فتتطلب السرعة والانتباه.
لا يمكن زيارة فينيسيا دون تناول القهوة الايطالية اكسبرسو أو الممددة بالحليب كابوتشينو مع الحلويات التقليدية خاصة في القهوة التاريخية «فيوربال» ويرتادها على الدوام الفنانون والسياح وعشاق التاريخ ومن أشهر زبائنها الموسيقار الألماني فاغنر الذي ألف جزءا من الأوبرا العاطفية تريستان وايزولده في تلك القهوة، وتوفي في فينيسيا التي كان يعشقها عام 1883.
كل شيء في المدينة يدعو للحب، فأجواؤها الرومانسية تجعل المشاعر رقيقة والفنون والرسوم والضواحي الهادئة تجعل هذه المدينة مثالية لقضاء شهر عسل جميل للعرسان الجدد.
إعداد - عبادة إبراهيم

