ظاهرة الألقاب الفنية ليست حديثة، بل لها تاريخ قديم اجتماعياً وسياسياً وفنياً، كانت تطلق على الفنان تكريماً له ورفعاً من شأنه ولعطاءاته الفنية، ومع مرور الزمن باتت تستخدم الألقاب كوسيلة لزيادة تأثير النجم على الجمهور ولتحقيق انتشار ونجومية أكبر.
استحقت أم كلثوم لقب كوكب الشرق، في حين احتفظ عبد الحليم حافظ بلقبألاالعندليب الأسمر، أما محمد عبد الوهاب فلقب بموسيقار الأجيال، ولقبت الفنانة صباح بالشحرورة. «الحواس الخمس» تسلط الضوء على هذه الظاهرة قديماً وحديثاً، ويتساءل هل هذه الألقاب، وخصوصاً الحديثة، مبالغات فقدت معناها، وهل هي دعاية إعلامية أم حقيقية، وهل هذه الألقاب بلا ضوابط؟قديماً انتشرت مجموعة من الألقاب الفنية أطلقها الجمهور والنقاد على معجبيهم من عمالقة الطرب الأصيل، إيماناً منهم بأصواتهم الأخاذة وفنهم الخالد. والوسط الفني والنقاد يؤكدون أن هذه الألقاب استحقها مطربو الزمن الجميل عن جدارة واستحقاق، مقارنة بالألقاب الموجودة الآن على الساحة الفنية والتي صارت بلا ضوابط ودعاية إعلامية أكثر منها حقيقة ولا تخلو من المبالغات.
أيام زمن الطرب الأصيل تعددت ألقاب المطربين، فقد كان لكل فنان لقب يميزه عن الآخر بسبب صوته العذب ورقي فنه، فنذكر عبد الحليم حافظ الذي أطلق عليه معجبوه (مطرب الثورة) نظراً إلى غنائه الوافر من الأغاني الوطنية، وإشعال الحماس في روح الشعب، وبث الأمل والتفاؤل في صفوف الجيش المصري. كذلك أطلق عليه الكاتب الصحفي جليل البنداري لقب (العندليب الأسمر) لحلاوة صوته وقدرته على تحقيق جماهيرية واسعة في أنحاء الوطن العربي، أما عبدالوهاب فقد نال شهرة كبيرة على امتداد القرن الماضي، ويعد واحداً من أبرز عمالقة الفن الموسيقي العربي الذي أسهم في تطوير الموسيقى العربية، وكان مطرباً شنف الآذان والأسماع بقصائده وأغنياته الجميلة التي غناها على امتداد سنوات حياته، جعلته يصل إلى مرتبة عالية من الإبداع الأمر الذي أسهم في أن يلقب ب(موسيقار الأجيال).
ولقبت أم كلثوم ب(كوكب الشرق) التي تميزت بصوتها الذهبي وحنجرتها التي لامثيل لها، فقد عرفها الملايين في العالم على مدى نصف قرن من النجاح الباهر بصوتها الجميل وأدائها الرائع وتعبيرها الأخاذ والعطاء المتواصل، فقد أضحى الغناء بصوتها رمزاً للعروبة، إذ إنها كانت تتأنى في اختيار ما تغنيه، وقد عرف عنها شخصيتها القوية، واحترامها لنفسها وفنها، فاحترمها الملوك والزعماء، كما احترمها عامة الشعب، وأحبها الناس في كل مكان، وأطلقوا عليها (سيدة الغناء العربي).
خادم الموسيقى
ونالت صباح لقبت «الشحرورة»، فيما كان سيد درويش يلقب ب(خادم الموسيقى)، وكان محرم فؤاد يطلقون عليه (صوت النيل)، والفنانة الجزائرية وردة ب(أميرة الغناء العربي).
أما فايزة أحمد فأطلق عليها (كروان الشرق)، وكانت تعد من الأصوات القوية النادرة، فقد كانت تمتلك قدرة عجيبة على تطري اللحن وتلوينه، وإضافة لمسات جمالية عليه، فقد وصفها محمد عبد الوهاب بأن صوتها ك(الكريستال المكسور)، وقالت عنها أم كلثوم إن صوت فايزة أحمد هو الصوت النسائي الوحيد الذي تطرب له وتسمعه بنشوة ما بعدها نشوة، بل ذهبت أم كلثوم أبعد من ذلك إذ قالت إن التي ستخلفها على عرش الأغنية هي بلا شك فايزة أحمد، أما نجاة الصغيرة فلقبت ب(قيثارة الفن) فقد كان صوتها يهمس عبر المذياع ويعم الأثير طرباً منذراً بنهاية عهد رومانسي متأخر.
ومحذراً من حقبة الهيجان السبعيني التي حضرت لانعطافات كبرى في حياة الناس والفن والأذواق، فكان صوتها إحدى سمات ذلك الهزيع العاطفي الذي لامس وجدان مستمعيه منذ بداية مشوارها الفني في الخمسينات حتى يومنا هذا، كانت كذلك تتميز بإحساسها المرهف مما جعل معجبيها يطلقون عليها (ملكة الإحساس).
الصوت الدافئ
(جارة القمر) هكذا كان لقب الفنانة الجميلة فيروز، صاحبة الصوت المخملي الدافئ حين نشعر بالبرد القارس، سيدة الكلمات الرنانة والألحان الأخاذة، فكان عبد الوهاب يصفها بأنها نجمة من نجوم السماء، لا يمكن أن تقارن بأي صوت من الأصوات النسائية، كما لقب الفنان المصري عبد المطلب ب(ملك الموال) فقد برع في غناء اللون الشعبي، فأغانيه لا تزال حية نابضة بحس شعبي أصيل، إذ كان له صوت جميل يمتلئ عذوبة، تشعر بدفء الحارة المصرية، بدأ حياته الفنية «سنيداً» لمحمد عبد الوهاب يغني في فرقته.
ولكنه وهو صاحب الصوت القوي الجميل والطموح القوي، اشترك في اسطوانات محمد عبده مثل أغنية (أحب أشوفك كل يوم) و(بلبل حيران)، فغادر موقع السنيد خلف عبد الوهاب وشق طريقه إلى المجد متخذاً لنفسه مساراً خاصاً به، ميزه عن كل فناني عصره وبوأه المكانة التي استحقها بجهده وصوته.
قديس الطرب
(قديس الطرب) هو أحدث الألقاب التي لقب بها المطرب القدير وديع الصافي، وأطلق هذا اللقب على المطرب الكبير وديع الصافي في أواخر العام الماضي، إلى أن أصبح لقب (قديس الطرب) أشهر ما لقب به العملاق وديع الصافي، وشاع هذا اللقب في معظم الصحف والمنتديات والمواقع والقنوات الفضائية العالمية والعربية.
الجميلة شادية أطلق عليها لقب (معبودة الجماهير) و(دلوعة الشاشة) لأنها كانت قيثارة مصر وعروس السينما المصرية، لم تختر الفن ليصبح طريقها، بل الفن هو الذي اختارها، وأصبحت نجمة ذات إشعاع طاغ أحاط بها طوال حياتها الفنية، أما الفنان الراحل فريد الأطرش فكان يلقب ب(أمير الطرب)، وقد وضع هذا اللقب على أغلفه ألبوماته الفنية التي طرحت منها (ياحبايبي ياحلوين).
دبي - عبادة ابراهيم


