كيف تصنع شهرتك وأنت جالس في البيت تفكر؟ الأمر ممكن، خصوصاً إن كنت من أصحاب الرأي والقلم المبدع، كل ما عليك هو تدوين أفكارك وآرائك بشكل يومي لتحصل في النهاية على مدونتك الخاصة التي يشاركك فيها الآخرون التعليق والتفاعل. هذه الدفاتر الإلكترونية ينشئها أصحابها على شبكة الإنترنت، فيضيفون إليها يومياً وتتراكم بحسب تاريخ تدوينها، فيتمكن الآخرون من الاطلاع عليها والتعليق والتفاعل مع كاتبها ومناقشته. «الحواس الخمس» التقى أشخاصاً يعيشون في هذا العالم ليتعرف إلى تجاربهم ونظرتهم المستقبلية للتدوين والمدونات الإلكترونية.

يرى محمد أحجيوج، وهو مدون ومؤلف كتاب (ألفباء التدوين) بجزأيه الأول والثاني؛ أن التدوين يختلف عن مواقع الإنترنت بأسلوبه الخاص وفلسفته المحددة لطريقة الكتابة والمعالجة، فعلى عكس الصحف والمجلات والكتب؛ المدونات هي وسيلة تواصل حميمة بين المدون وقرائه، فالقارئ لا يبقى حبيس صفة القارئ الافتراضي، إنما هو متفاعل ودائم التواصل مع المدون، الأمر الذي يتطلب من الأخير أسلوباً خاصاً في الكتابة والتواصل واحترام أكبر للقارئ. فلا يكفي أن ينقل الكاتب مقالاته المنشورة في الصحف أو نصوصه الأدبية إلى موقع إلكتروني لنقول عنه مدون، في حين أنه مجرد اسم مختفٍ خلف نص جامد، بل عليه أن يكون أكثر حميمة وتواصلاً مع قراء مدونته. ويوجز محمد تعريفه للتدوين قائلاً: هو ضرب من النشر الإلكتروني يتميز بطابعه التواصلي الحميمي وعلاقاته الاجتماعية الفريدة التي يخلقها بين المدون وقارئه.

تاريخ التدوين

(Web Log) أو (سجل الشبكة) هو الاصطلاح الذي ظهر للمرة الأولى عام 1997، ثم اختصر بعدها بسنتين ليصبح (Blog). ومن ثم مر التدوين بأربع مراحل تاريخية، حيث انتهت أولها عام 2000 بظهور خدمات مجانية لاستضافة المدونات، اشترتها شركات عملاقة مثل (google) و(sixapart).

أما المرحلة الثانية فقد بدأت عام 2001، وهي سنة الميلاد الحقيقي للمدونات، حيث دخل الصحافيون معترك التدوين، وكفت المدونات عن أن تكون مجرد دفتر يوميات شخصي للمراهقين. عام 2004 بدأت المرحلة الثالثة حيث تحولت المدونات إلى ظاهرة عالمية وتضاعف أعداد المدونين بشكل ضخم جداً حتى أصبحت المدونة مفردة يومية مألوفة لدى الغالبية.

ثم دخل التدوين عام 2007 مرحلة جديدة تتسم بنوع من الركود من جهة وزيادة اهتمام البعض بالتدوين كصناعة قادرة على در الملايين، إذ بدأت الكثير من الخدمات المتركزة على التدوين بالظهور من بينها خدمات التدوين المصغر والشبكات الاجتماعية، كما بدأ عدد محترفي التدوين يتزايد بشكل لافت.

ألفباء التدوين

يتحدث محمد سعيد أحجيوج وهو مغربي من موالد 1982 عن تجربته التدوينية ل«الحواس الخمس» فيقول: بدأت التدوين للمرة الأولى شهر مايو من العام 2005، حينما كان التدوين العربي لا يزال يحبو، وعدد المدونات العربية قليل جداً، وفلسفة التدوين نفسها كانت تنتشر ببطء، لذلك بعد فترة من ممارستي التدوين وجدت أن الوقت قد حان لكتابة دليل يشرح أساسياته، ويسهم في نقل أفكار التدوين وسط المستخدمين العرب، تلك كانت بداية كتاب (ألفباء التدوين) الذي صدر في طبعته الأولى شهر أكتوبر 2006.

بعد ذلك تغير الأمر، وبدأت ثقافة التدوين في الانتشار، وعدد المدونات ينمو بشكل مطرد، ومع ذلك لم تسهم هذه الثورة في تنمية المحتوى العربي على الإنترنت، فقررت إعادة إصدار الكتاب بشكل مختلف لعله يسهم في إعادة وضع ثورة التدوين على الطريق الصحيح.

فجاء الإصدار الثاني من الكتاب شهر أبريل 2009 ككتاب جديد كتب من الصفر ليقدم معلومات جديدة ومختلفة، هادفاً إلى تبسيط ثقافة التدوين وجعلها في متناول الكل، مقدماً تعريفاً موجزاً وأكثر دقة للتدوين، وشارحاً لهيكلة المدونة ومفصلاً، يأخذ القارئ خطوة خطوة لإنشاء مدونته الأولى بكل سهولة ويسر.

كذلك في هذا الإصدار من كتاب (ألفباء التدوين) تلميحات تساعد المدون سواء كان مدوناً مبتدئاً أو غير مبتدئ في خوض التدوين باحترافية وإتقان أكبر، وهي تشمل تلميحات حول اللغة وأسلوب الكتابة، وتصميم وهيكلة المدونة، وطريقة التعامل مع التعليقات وكيفية تحقيق المصداقية للمدونة، وفي الأخير حوار مع المدونة هديل الحضيف حول التدوين الشخصي وحوار آخر معي حول التدوين الاحترافي.

وبالحديث عن مستقبل المدونات العربية يعلق أحجيوج: مع الثورة الكبيرة في النمو التي حققتها المدونات العربية سنة 2007 كان من المتوقع أن تتطور المدونات، وتحقق على أرض الواقع ما حققته المدونات الأجنبية نفسها من حيث قدرتها على التغيير والتأثير على صناع القرار، لكن للأسف مرت سنة 2008 شبه هادئة، إلا من انتفاضة صغيرة هنا وهناك.

ربما الانتشار الكبير لشبكة ال(فيس بوك) الاجتماعية في السنة الماضية قد سحب بساط الاهتمام من المدونات، غير أن الوضع قابل للتغير، خصوصاً مع الحراك الأخير الذي بدأت تعرفه المدونات السعودية، وتواصل الاعتقالات ضد المدونين. بإمكان المدونات العربية أن تتغير في الشهور المقبلة، وتبدأ في التغيير واكتساب سلطة خاصة بها سواء كانت مدونات سياسية تهدف إلى الإصلاح الاجتماعي، أو مدونات متخصصة تهدف إلى نشر معرفة جديدة ستثري الثقافة اليومية للشباب العربي.

تجربة إماراتية

لطيفة الحاج، مدونة إماراتية نشيطة، فكتاباتها محدثة باستمرار عبر مدونتها الموجودة ضمن اتحاد المدونين، بدأت التدوين في شهر فبراير عام 2007، تقول عن دخولها هذا العالم: حقيقة لم أختر هذا الدخول، فعندما قررت أن أدون لم أكن أعلم شيئاً عن التدوين والمدونات، حتى إنني كنت أسميها صفحتي التي أكتب فيها ما أشاء.

في البداية كنت أدون الخواطر والكتابات الذاتية وهي أشبه بيومياتي، وأصبحت لاحقاً أكتب عن أي شيء يخطر ببالي، وقد أميل أكثر إلى الموضوعات الاجتماعية، حتى صارت انطلاقتي إلى العالم ونافذتي على باقي المدونات والقراء. يتفاعل معي أشخاص معينون، وأعرف أن البعض يفضل المتابعة بصمت. التعليقات الكثيرة تسرني وتشير إلى تواصل ومتابعة واهتمام، لكن ما يهمني في النهاية هو التزام البعض بزيارة مدونتي، وهذا ما أعتبره دليلاً على أنهم يجدون في مدونتي ما يدفعهم للحرص على زيارتها.

البعض يستخدم المدونات كأقنعة يتخفون خلفها ويكتبون كلاماً لا يعبر عن آرائهم، أو عن شخصياتهم، أما البعض فيكتبون بكل صدق، فالأمر عائد إلى المدون وعقليته في نهاية الأمر. أما سقف الحرية فهو أعلى ما يكون، لا يحده سوى أن تغلق مدونات من يقولون ما لا يقال بطريقة خاطئة. هدفي الأساسي من التدوين أن ألتزم بالكتابة أكثر فتصبح عادة يومية لا أستطيع تركها، وأن أسعد من يقرؤون لي وأن أؤثر فيهم إيجاباً.

المدونات كانت سبباً في ظهور الكثير من الكتاب على الساحة المحلية والعربية، وأجدها مساحات مناسبة للنقاش وتبادل الأفكار، ولا أتخيل أن تنافس المدونات الصحافة في المنطقة، حتى وإن كانت المدونات والصحافة تقومان على الكتابة لكن يبقى لكل مجال نمط يميزه.

شخصيتي وحياتي

فيصل أبو كويك، شاب فلسطيني يبلغ العشرين من العمر، دخل هذا العالم قبل أكثر من عام تقريباً، وقد اختار هذا الدخول لأنه عالم يضم تحت سقفه أشخاصاً على قدر كافٍ من الوعي والثقافة، يندر وجودهم بالحياة العادية، حيث يشكلون وسطاً رائعاً لتبادل الآراء والأفكار.

هكذا باختصار يصف فيصل عالم المدونين العرب ويردف: أدون في الموضوعات الحياتية المنوعة ذات الطرح الساخر التي قد تحصل مع أي شخص في المجتمع، إضافة إلى الموضوعات التي تشغل الشارع. مدونتي هي شخصيتي وحياتي ووجهة نظري للأمور على مختلف طرحها أعرضها على شكل مقال أمام الجميع وهي بطبيعة الحال لسان حال الأشخاص الآخرين.

وقد كان سبب افتتاح مدونتي على عالم الإنترنت هو رغبتي في سماع الطرف الآخر حول موضوع أطرحه للبحث، إما للحل أو الاطلاع على تجارب الآخرين بذلك الموضوع, وقد كنت أمتلك قبل افتتاح مدونتي دفتراً أدون فيه مذكراتي وتجاربي, إلا أنني وضعته جانباً؛ فلن يستفاد منه ما لم يطلع أحد عليه.

أزور مدونتي باستمرار وأطلع عليها أكثر من مرة في اليوم، ويسعدني سقف الحرية الشاسع في هذا العالم. يمكن للمدونات أن تسهم في تشكيل حالة من الرأي العام ومن الحراك الاجتماعي بقضايا المجتمع, كتشكيل تجمعات سلمية لعرض قضية ما أو ما شابه، وأهدف شخصياً إلى تذكير الآخرين بأمور الدين الإسلامي وبث حالة من إعادة الأمل عبر طرح تجاربي مع الحلول التي اتخذتها.

المستقبل للإعلام الجديد وإعلام المواطن, لأنه يطرح قضايا أفراد المجتمع التي لا تصل في الغالب للقنوات الرسمية, وأزمة الانتخابات الإيرانية أقوى مثال على قوة التدوين التي جعلت وكالات الأنباء تنقل أخبارها عن الفيديوهات الملتقطة بواسطة هواتفهم والأخبار المنقولة عن أقلامهم.

مسابقات تدوينية

الكثير من مواقع التدوين تنظم مسابقات يشارك فيها هؤلاء المدونون مثل مسابقة أرابيسك التي ابتكرها محمد سعيد، والتي انطلقت يوم 1 أغسطس 2009 في دورتها الأولى لاختيار أفضل المدونات العربية، فيمكن لكل من يدون باللغة العربية ترشيح مدونته حتى يوم 31 أغسطس، حيث ستبدأ عملية تقييم المدونات من طرف لجنة التحكيم وانتقاء المدونات المتأهلة للقائمة القصيرة، والتي ستعرض على المدونين وقراء المدونات للتصويت عليها ابتداءً من يوم 15 سبتمبر المقبل.

دبي ـ أمينة الجسمي