ارتبط اسم الموسيقار بصرح موسيقي يضاهي معهد الموسيقى العربية؛ إلا أنه يقدم مادته بين الأوتار وقراميد بيت «الهراوي»، لتصبح الموسيقى والتراث صنوان يعزف الموسيقار العراقي الأصل عليهما أشجى ألحاناً عذبة، ويطوف عبرهما إلى الشرق والغرب دون تمييز، وتصطبغ ألحانه بشخصية فريدة..

«نصير شمه» يحاوره «الحواس الخمس» في «بيت العود» الذي أسسه وضم بين جنباته وفي أرجائه حلمه وموسيقاه وآماله.

كرمت أخيراً من جهات ثقافية وفنية عدة، ماذا يمثل لك هذا التكريم؟

أسعد دائماً بلحظات التكريم التي لا أراها تكريماً لي بقدر ما هي تكريم لموسيقاي، وأقول إن كل تكريم أو جائزة هي تقدير يضع الفنان في مسؤولية أعلى، ويجعله في الصدارة، وفي بؤرة الضوء ومجال الاهتمام، ولا شك أن هذا يفرض عليه التميز، لكن من بين الجهات التي كنت سعيداً بتكريمها صالون «إحسان عبدالقدوس»، حيث استضافتني أسرة الراحل إحسان عبدالقدوس، وكانت استضافة فيها من الود والمحبة ما أسر خاطري، وملأ وجداني بطيب المشاعر، وحضر اللقاء بالصالون جمهور غفير ذواق للموسيقى العربية، وتحدثت فيه عن الموسيقى وحياتي وتفاصيل كثيرة خاصة بأحلامي الموسيقية ومشروعي الشخصي الذي هو «بيت العود»؛ والذي أسسته منذ حوالي عشر سنوات في بيت «الهراوي» بالقاهرة؛ لأجمع من خلاله بين التراث والعود والموسيقى.

بصمة موسيقية

لكن على أي شيء يكون هذا التكريم لنصير شمة؟

على مشواري المتواضع، وإسهاماتي في مجال الموسيقى العربية.

تصف مشوارك بالمتواضع برغم إنجازاتك التي أهلتك لأن تصبح لك بصمة موسيقية فريدة!

لا تزال لدي الكثير لأقدمه؛ وبالفعل مشواري متواضع؛ فأحلامي كبيرة؛ ولا يزال الدرب طويلاً وممتداً أمامها.

دعنا نعود إلى قصتك مع العود، كيف بدأت؟

بدأت مع أحلام اليقظة؛ فكل الأحلام التي تراودني راودتني كأحلام يقظة. كنت أمسك بها وأتتبع تحقيقها مهما طال الوقت، وأظل أعمل بجدية تكاد تشبه عمل النحل إلى أن أرى العسل يقطر حينها اتجه إلى مكان آخر، وهكذا عملت طوال عمري، ومنذ كان عمري 12 عاماً، وإلى هذا اليوم وأنا أتتبع أحلام يقظتي دون كلل أو ملل أو شعور بالتعب أو الوقوف أمام المعوقات، فقد قاسيت وجود معوقات كثيرة وضعت أمامي لتصبح مثل الشوك في طريقي، وكانت كفيلة بأن تعطل جيشاً، ولكن لم أرها. كنت أتلاشى وجودها؛ وأضع نصب عيني فقط المستقبل.

أضفت «المثمن» إلى العود فهل لك إضافات أخرى؟

كل ما قدمت من تحسين لصناعة العود بال8 أوتار؛ وسواء إضافتي في مجال العزف لمبتوري اليد أم الأنامل في طريقة العزف كل هذا كان إضافة لدوافع إنسانية وحاجة ما، ولكن الإضافة الحقيقية هي التي تُقيم من خلال النقاد، وهي خروج الآلة من بين الآلات الموسيقية في «الكورس» إلى مقدمة المسرح لتصبح آلة فكر تتحدث بلسان الشعب، وليست للطرب والمتعة فقط؛ بالإضافة أن تكون الآلة مدرسة ومنهاجاً ومؤسسة تجمع الناس؛ فليست القيمة هنا في عدد الأوتار فقط؛ وإنما طريقة العزف، والتي هي طريقة حياة؛ ولتصبح الآلة عدسة كاميرا، وهذا ما سعينا إليه أن نجعل العود يفكر، ويكون قريباً من الشباب.

روحانية الموسيقى

قضايا الوطن بكل زخمها كيف يمكن التعبير عنها بالموسيقى؟

منذ بدايتي وأنا طالب أهتم بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة بالعصافير والفرس والفراشات والطبيعة والإنسان وبالقضايا الوطنية والمصرية. لم تمر عيناي على شيء إلا وصاغته أناملي وشكلته عبر الأوتار موسيقى الحرب والسلام في فلسطين والعراق ولبنان، وحتى أفغانستان كان لها نصيب في موسيقاي، لا توجد قصة إنسانية لمست قلبي إلا حولتها لعمل موسيقي، كان لكل شيء يهز وجداني وقعٌ على أوتار عودي.

كانت لك مقالة عن الموسيقى الروحانية؛ فهل هناك ما يسمى بالموسيقى الروحانية، أم أنها هي سمة الموسيقى بشكل عام؟

هناك أنواع من الموسيقى تتسم بالروحانية منها «الجاز»، ومنها ذات البعد الصوفي العميق، حيث يصبح الإنسان أقرب إلى الله، وهي موسيقى خاصة، وكل موسيقى الفنان رياض السنباطي روحانية، فيما عدا أعماله الدينية حيث هناك روحانية صريحة، أما أغلب أعماله العاطفية فنجد السمت الروحي بها؛ إلا أنه شفيفٌ وليس صريحاً، وهكذا موسيقاه الأخرى ذات روحانية شفيفة لا صريحة، وبها قدر من التصوف.

بيت «العود» عربياً

بيت «العود» العربي متى بدأت الفكرة؟ وما دافعك إلى إنشائه؟

بدأت الفكرة منذ العام 1998، والدافع خلق مناهجاً ومكاناً يعني بالعود ومستقبله وحاضره وصناعته ومناهجه القريبة من مناهج معهد الموسيقى العربية بشكل عام، واستطعنا أن نحقق هذه الأغراض، ولدينا أحلام أن تكون لنا بيوت في العواصم العربية جميعها.

هل هناك فروع لبيت العود، وما تفاصيل هذا المشروع؟

هناك فرع بالجزائر عمره خمس سنوات، وفرع في أبوظبي عمره سنتان، وهذا الفرع يتميز بكونه تحت رعاية هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ويشبه «بيت العود» تقريباً.

خطة العمل في بيت العود، كيف تسير؟

تعتمد الدراسة على المواجهة بين الطالب والأستاذ؛ والتقي بالطلاب بشكل شخصي كل يوم اثنين، ونعقد ثلاث بروفات جماعية، وهناك أقسام أخرى للموسيقى منها القانون والناي والآلات الإيقاعية. ونُدرس فيه النظريات الموسيقية، واللغة الإنجليزية؛ لأن الموسيقى تحتاجها بشكل ما، وأيضاً النوتة الموسيقية.

الاطلاع على الثقافة هل هو مهم بالنسبة للدارس؟

بالطبع؛ فالخريج عند مرحلة التخرج يجب أن يخضع لاختبارات عدة، وأن يكون قد هضم كل مدارس العزف المختلفة، وأصبحت لديه ثقافة موسيقية عالية، وعلى علم بالرموز الموسيقية والنظريات، وعلى درجة عالية من الكفاءة تؤهله للتطبيق؛ فهو يدرس كيف يصل بالمعلومة إلى النهاية؛ ومن هنا فدوره أن يقوم هو الآخر بالتدريس في البيت؛ فلدينا الطالب الخريج يجب أن يعلم 20 طالباً، وكما أدرس أنا لهم متطوعاً بلا مقابل يجب أن يكون لهم دور ليقوموا بالتدريس هم أيضاً؛ فلابد أن أنشر بينهم هذه الأخلاق.

ارتبط الفن في ذهن البعض باحتساء الخمور والمشروبات الروحية لتخلق حالة مزاجية للفنان والموسيقى؛ وتجعله- على حسب كلامهم- يحلق في أجواء خاصة فما رأيك؟

أنا لا أحتسي الخمور؛ وأرفض أن يكون أي من الدارسين يتناولها أو يشرب حتى السجائر؛ وأضع قيوداً على ذلك؛ والسجائر ممنوعة في «بيت العود» كله والتدخين بوجه عام، وهذه أقوال لا علاقة لها بالحقيقة؛ لأن الله صنع لنا عقلاً يجب أن نحافظ عليه؛ كما أنني أحرص على ممارسة الرياضة بنادي الجزيرة؛ وبالتحديد لعبة «التنس» فلا يوجد جسم عليل يستطيع أن ينتج أو يتميز. أيضاً أقوم بالتدريب بشكل يومي حوالي 6 ساعات يومياً.