من أهم الظواهر في الساحة العربية خلال السنوات الماضية اقتحام المرأة لكل مجالات الحياة، وانتزاع حقوقها، والتعبير عن قضاياها التي ظلت مهمشة طوال سنوات طويلة مضت. ولكن اللافت للنظر أنها درجت في الآونة الأخيرة على استغلال الدراما وسيلة جديدة، وأكثر قدرة على توصيل رسالتها عبر موضوعات تكتبها سيدات أو مخرجات يستخدمن قدراتهن في إبراز مشاكل المرأة بشكل كبير، كما ظهرت من أجل الهدف ذاته مسلسلات «الست كوم» التي إن كان أغلبها يميل إلى الطابع الكوميدي، لكنها تناولت جانبا مهما من قضايا المرأة ولاقت تجاوبا كبيرا من المشاهدين.

وعلى الرغم من طرح الكتّاب الرجال قضية المرأة في أعمال كثيرة؛ إلا أن عددًا من الناقدات والنقاد أكدوا أن الكاتب الرجل يتناول قضايا المرأة بمفهوم ذكوري بكل عقده التي تحاول تحجيم دور المرأة بقدر المستطاع، على العكس من الكاتبات اللائي يعبرن بصدق عن مكامن القلق والألم في كثير من معاناة المرأة في زمان يتحكم فيه المجتمع الذكوري، وبعقلية عفا عليها الزمن، واعتبر هؤلاء النقاد أن الدراما تستخدم المرأة كوسيلة وليست غاية حتى ولو كانت في دور البطولة مثل الإغراء أو الجنس أو تلك الزوجة الخانعة التي تجلس في انتظار الزوج «سي السيد»، أو إذا لم تكن كذلك فهي فاجرة خارجة عن التقاليد.

الناقد عصام زكريا يرى أنه مع قلة إنتاج النساء في مجال الكتابة أو قلة عددهن في مجال الإخراج والإنتاج مقارنة بأعداد الرجال، إلا أنهن استطعن أن يقدمن الكثير. مضيفا أنهن نجحن إلى حد كبير في طرح قضايا المرأة.

ويضرب مثالا على ذلك بمجال الدراما، حيث قدمت الكاتبة فتحية العسال «هي والمستحيل»، وهو عمل يناقش قضية محو الأمية والمعروف أن أغلبية الأميات في الوطن العربي من النساء، أيضًا قدمت الكاتبة نفسها مسلسل «مكان في القلب» الذي تناول حرية المرأة التي رفضت الوصاية، ولم تسمح لأي شخص في إدارة شؤونها، كما قدمت الكاتبة منى الصاوي «ليلة عسل، كيد العوالم، الثعالب»، وقدمت ماجدة خير الله «زوجة محرمة، زوجتي والذئب، القاتلة»، وجميعها أعمال تكشف سلبيات في معاملة المجتمع للمرأة أو دور المرأة في الحياة العامة بمعنى أنها صبت في النهاية في خدمة قضية المرأة.

ومع أن زكريا يعترف بأن المرأة هي أفضل من تعبر عن مشاكلها، إلا أنه يعود مؤكدًا أنه لابد من النظر للأمر بقدر كبير من المنطق، موضحًا أنه ضد التصنيف، خاصة أن تجزئة الإبداع النسائي والرجالي قد تنعكس سلبًا على مسيرة الإبداع. وأوضح أنه من الأفضل تقييم العمل ككل بعيدًا عما إذا كان كاتبه رجلاً أم امرأة؛ لأن الدراما أو السينما تخدم قضية، أو توصل رسالة حول قضايا ملحة تشهدها مجتمعاتنا.

الفنانة سميرة أحمد التي قدمت الكثير من الأعمال ذات الصلة بقضايا ومعاناة المرأة في المجتمع ومنها «جدار القلب» وغيرها، تتفق مع الناقد عصام زكريا بأن المرأة هي الأقدر على التعبير في موضوعات بعينها، ولديها مخزون مليء بالدرر والإبداع، وتضيف: لا أنكر أن النساء الكاتبات أو المخرجات استطعن أن يقدمن أعمالاً على مستوى الدراما والسينما تناولت كثيرًا من مشاكل المرأة وقضاياها الملحة بجرأة عالية وقوة شديدة على رأس هؤلاء ماجدة خير الله فهي على قدرة عالية من الفكر، خاصة في مجال الدراما النسائية، وهناك عدد من المخرجات طرحن موضوعات في غاية الجرأة، وهي أعمال أحدثت جدلاً واسعًا من شدة جرأتها.

لكن في الوقت نفسه، والكلام لسميرة أحمد، أنا شاهدت أعمالاً كتبها كتّاب من الرجال أنصفت المرأة، وطرحت بعض مشاكلها بشكل قوي، لأن نظرة الرجل للمرأة في فترات سابقة كانت قائمة على تقاليد اندثرت، ولم يعد لها مكان في عالم اليوم.

الناقدة ماجدة موريس تؤكد أن المرأة تفوقت على الرجل في مجالات عديدة في مجال الدراما مثل المونتاج والإخراج والتمثيل، حتى جاءت المرأة السيناريست فاقتحمت المجال بقوة، وكانت البداية بكوثر هيكل وفتحيه العسال اللتين قامتا بفتح الطريق أمام الأخريات، من أمثال نادية رشاد وماجدة خير الله وسلوى الرافعي، وكن أكثر قدرة في تناول قضايا المرأة، وإن كان الجيل الرائد من المبدعات كاتبات القصة أو السيناريو قدمن المجتمع بشكل عام، ولا يفرقن بين قضايا المرأة والرجل، باعتبار أن المرأة جزء من المجتمع.

لكن مع حركة المرأة في انتزاع حقوقها رأى الجيل اللاحق ضرورة اقتحام عالم المرأة بقوة وجرأة، وخدمة قضايا المرأة بشكل مباشر مثل فتحية العسال عندما قدمت «هي والمستحيل» الذي ناقش قضية الأمية الذي أصرت فيه البطلة صفاء أبو السعود على كسر حالة التعالي التي يمارسها زوجها المتعلم، وأصرت حتى تعلمت، كما قدمت نفس الكاتبة مسلسل «رمانة ميزان» للمخرجة أمل سعد.

وتشير انه بالنظر إلى حال الدراما النسائية خلال العامين الماضيين، نجد تواجدا قويا للمرأة كمخرجة وكاتبة، حيث قدمت الكاتبة منى نور الدين مسلسل ( بنات في الثلاثين) الذي ناقش أسباب عنوسة الفتيات في الثلاثين وطرق تربية الفتيات والحرية المسموحة لهن داخل الأسرة، وقدمت المخرجة شيرين عادل مسلسل «بعد الفراق» الذي عرض نماذج للمرأة في المجتمعات العشوائية، كما قدمت منى رجب مسلسل «قمر 14». وفى رمضان من هذا العام تقدم الكاتبة شهيرة سلام مسلسل «هانم بنت باشا» الذي يناقش الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها بعض الفتيات.