لمكانة النحل وفائدته سمى الله عز وجل سورة من سور القرآن باسمه، فهذه الحشرة الصغيرة التي عجز أمامها العلماء عن اكتشاف أسرارها ومكنون خباياها تخرج من بطونها شراباً فيه شفاء للناس، لكن هناك من هؤلاء العلماء من تعامل مع النحل كهواية وعشق قبل أن تكون مهنة، فدرس الكتب المتعلقة به من أجل التوصل لمعلومات جديدة عنه.

«الحواس الخمس» التقى واحداً منهم د.إسماعيل العزازي، ليكشف لنا أسرار مملكة النحل وسر تعلقه بهذه الهواية.إسماعيل العزازي، العالم المصري بكلية الزراعة جامعة القاهرة، ورئيس قسم البساتين سابقاً، كان في مقدمة العلماء الذين عرفوا بحبهم وشغفهم للنحل، ومشاركته في عدد كبير من المؤتمرات العالمية ذات الصلة، كما أن له أبحاثاً عدة نشرت في الدوريات العلمية، والمعاهد البحثية العالمية.يقول العزازي: بدأت علاقتي بالنحل منذ الصغر فقد كانت هوايتي أن أذهب إلى مناحل أقاربي بالأراضي الزراعية لمتابعة النحل عن قرب.

حيث كنت أراقب حركاته وتحركاته؛ فتأكدت وقتها برغم حداثة سني أنها مميزة في التعامل مع الآخرين، وتشعر بمن يخاف منها، ومن يريد إيذاءها، ومن هنا بدأت قصتي مع تربية النحل، ومعرفة كل ما يخصه بحب شديد، ولهفة متجددة تزداد يوماً بعد يوم، وشغف بمعرفة أسراره، وساعدني في ذلك أشقائي بعد أن وفروا لي أماكن المنحل والخلايا. الموهبة والعلم برغم حصول العزازي على مجموع مرتفع في الثانوية العامة، إلا أنه فضل الالتحاق بكلية الزراعة لقناعته بأن الموهبة لابد أن تصقل بالعلم، فكان من المتفوقين.

وحصل على تقدير ممتاز ليتم تعيينه معيداً بكلية الزراعة جامعة الفيوم بمصر، ومن هنا زاد ارتباطه بعالم النحل، هذا العالم الغريب والمثير الذي لم يتوصل الإنسان حتى الآن إلى جميع أسراره.

يقول هاوي النحل: «إن تاريخ عسل النحل يعود إلى قرون طويلة مضت، وقد عرفه الفراعنة وأدركوا أهميته لهم كغذاء ودواء من أمراضهم»، موضحاً أن عسل النحل وجد في بعض مقابر الفراعنة، وظل على خصائصه ولم يفسد؛ كما جاء ذكره في القرآن الكريم والطب النبوي».

ومن واقع خبرته الطويلة بأشكال الخلايا الخاصة بالنحل ونوعيتها، يقول العزاوي: «تعتبر الخلايا الطينية أقدم أنواع الخلايا وأشهرها على الإطلاق؛ فكان المصريون يقومون بتصنيعها بشكل هرمي ليقوم النحل بنسج الخلايا، وتصنيعها على شكل أقراص شمعية. أما النوع الثاني من الخلايا فهي عبارة عن ألواح خشبية يقوم فيها النحل ببناء أقراصه الشمعية، ويترك بينها وأي جزء في الخلية مسافة لتسهيل جمعه وقطفه.

وهناك أيضاً أنواع متعددة من نحل العسل، وأشهرها المصري الذي يتسم بصغر حجمه، ولونه الفضي اللامع، ويشتهر بالعدوانية، ويفضل الأماكن غير الباردة، ويتميز بقدرته على مكافحة الكثير من الأمراض، فضلاً عن كفاءته العالية في تلقيح الأزهار.

يؤكد هاوي النحل وجود أنواع أخرى منها اليمني، والذي يعيش في شرق أفريقيا والسودان والصومال وغرب أسيا والسعودية واليمن، ويتم تربيته في خلايا بلدية صغيرة الحجم، ثم النحل القبرصي الذي يتميز بلونه الأصفر وإنتاجه الوفير من العسل، بالإضافة إلى النحل الأرميني الأصفر الشرس والسوري سهل الانقياد والكرنيولي الذي انتشر أخيراً في مصر.

وفي هذا السياق يحذر د.العزازي ربات البيوت من العسل الذي لا يتجمد عند درجة 40 درجة مئوية، حيث يكون مخلوطاً بمواد أخرى قد تكون ذات تأثير ضارٍ في صحة الأبناء، موضحاً أن فائدة كيلو العسل الواحد تساوي 5,3 كيلو لحم، أو 12 كيلو خضار، أو 5 كيلو جرامات حليب.

غذاء ودواء

وحول فوائد عسل النحل يؤكد الدكتور العزازي أن الدراسات والأبحاث ذات الصلة أكدت فوائد عظيمة لعسل النحل للدرجة التي يمكن القول معها إنه غذاء ودواء معاً؛ نظراً إلى خلوه من أي ميكروبات أو فطريات أو فيروسات، فهو بالإضافة إلى فوائده الغذائية للجسم وتقويته لجهاز المناعة لدى الإنسان، يستخدم عسل النحل في علاج عسر الهضم وقرحة المعدة والأنيميا والربو المزمن.

كما أنه مفيد لمرضى ضغط الدم المرتفع والروماتويد والصداع المزمن، وكذلك لمرضى السكر والقولون العصبي، كما يعالج تجاعيد البشرة وحب الشباب من خلال استخدامه كقناع للوجه مع الزبادي وقطرات الليمون وزيت اللوز المر.

غذاء الملكات

وينص هاوي تربية النحل لمن يبحثون عن الشباب والحيوية بغذاء الملكات، الذي تفرزه شغالات النحل، موضحاً أن هذا النوع من العسل فضلاً عن أنه مقوٍ عاطفي فإنه يعمل على خفض السكر بالدم، وتقوية خلايا الكبد من خلال زيادة قدرة الخلايا الباقية في الكبد، والتي لم يصبها التلف.

ويلفت أن غذاء الملكات يعد الأفضل لكبار السن، حيث أثبت الطب الحديث أن عدداً من الأشخاص الذين داوموا على استعمال غذاء الملكات مخلوطاً بالعسل باتوا أكثر نشاطاً وحيوية، كما تخلصوا من رعشة اليدين التي غالباً ما تلازم كبار السن.

ويؤكد هاوي النحل أن المرأة الحامل لها نصيب كبير من فوائد عسل النحل، مؤكداً ضرورة مواظبتها على تناول عسل النحل يومياً أثناء الحمل وحتى وقت فطامها للطفل. ويلفت إلى أن العسل يساعد في انقباض الرحم بعد الولادة، وبذلك يصل إلى حجمه الطبيعي، ويقل النزف، فضلاً عن ذلك فهو يعمل على زيادة الحليب أثناء الرضاعة.

سم النحل.. شفاء

وعن منظومة العمل داخل الخلايا يقول د.العزازي: «يعيش النحل معيشة اجتماعية منظمة للغاية، وتختلف عاداته اختلافاً كبيراً»، لافتاً إلى أن الملكة مصدر التكاثر، ووظيفتها الرئيسية وضع البيض وهي أنثى كاملة ملقحة حجمها أكبر من الشغالة والذكر، وأجنحتها أقصر من بطنها تعيش من 2-5 سنوات.

وتتغذى في مرحلة الطور اليرقي على غذاء ملكات النحل الذي تفرزه الشغالات حديثة العمر، وتبلغ مدة تطورها من بيض حتى حشرة كاملة من 15 إلى 16 يوماً، وتمتلك آلة لسع فعّالة، وتفرز مادة تعمل على تنشيط الشغالات وتضع حوالي من 1000 إلى 2000 بيضة في اليوم بما يعادل وزنها تقريباً خلال الموسم.

أما الشغالة فهي الفرد الآخر في الخلية، وهي عبارة عن أنثى جهازها التناسلي غير مكتمل التكوين وغير قابل للتلقيح، وتمتلك أجزاء فم قوية تمكنها من جمع الرحيق، وأرجلها الخلفية معدة لجميع حبوب اللقاح ويبلغ عددها في الخلية الواحدة من 15000 إلى 50000 شغالة حسب الخلية.

ولهاوي النحل حكايات طريفة مع تربية النحل يتحدث عن إحداها؛ فيقول: «أشهر حكاياتي مع النحل كانت عندما قامت مجموعة كبيرة من الخلية بمهاجمة ضابط المرور أثناء قيامه بسحب رخصته أثناء قيادته السيارة».

وعن شروط إقامة المنحل يرى د.العزازي أنه لا بد أن يكون بعيداً عن أماكن المبيدات الحشرية، وقريباً من مصادر الحياة والرحيق كالورد والبرسيم والأشجار؛ مع ضرورة إنشاء مظلات لحمايتها من حرارة الشمس..

ويعتبر هاوي النحل أن التوسع في تربية النحل من شأنه أن يساعد في حل مشكلة البطالة لكون الخلية الواحدة تنتج 20 كيلو من العسل في كل موسم، ليس هذا فقط بل هناك سم النحل الذي أصبح حديث العالم في السنوات الأخيرة، نظراً إلى قدرته على علاج الكثير من الأمراض كحالات الحمى الروماتيزمية، وآلام الأعصاب، والصدفية، والبهاق، وتضخم الغدة الدرقية، والإجهاض المتكرر، وضغط الدم المرتفع.

وحول سم النحل يشير العزازي المقصود بهذا السم الفائدة التي تخرج في اللسعة لدى الشغالات عندما تلسع الإنسان، وقد كشفت الكثير من الأبحاث فعاليات هذا السم في علاج أمراض عدة ليس في عالمنا العربي فقط بل في العالم أجمع.