كثرت في هذه الأيام مواقع وقنوات وإذاعات تفسير الرؤيا، وأصبحت سوقاً رائجة لها مريدوها ومسوقوها، وكثرت برامج المفسرين إلى درجة أن شبهها البعض بأنها «تزاحم برامج الطبخ»، وأن فيها نصب وتخدير لعقول المشاهدين، وأنها قريبة من قراءة الطالع أو المستقبل والتنبؤ به.
في حين يرى آخرون أن تفسير الرؤيا علم، وليس مجرد ضرب من الظن، مشددين على ضرورة أن يتصف المفسر بمزايا شرعية أهمها العلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. «الحواس الخمس» في ظل هذا الرأي والرأي الآخر، يتساءل هل برامج تفسير الأحلام الفضائية تستند إلى مرجعية فقهية، أم أنها مجرد تلاعب بالعقول؟ التحقيق التالي يجيب على هذا التساؤل.قد يكون السؤال الأكثر إلحاحاً في هذا الموضوع: هل نجد أنفسنا في يوم من الأيام نسير وفق ما تعبث به كوابيسنا في تعاطينا للحياة من خلال الأهداف التي ترسمها تلك الأحلام والكوابيس.
حيث لا نستطيع أن نسافر قبل أن يأتي الكابوس الليلي مقدم لنا تذاكر السفر حسب القناة التي نشاهدها ونراسلها؟ أو تبقى الفتاة عانسة حتى يأتي كابوسها فيختار لها ابن الحلال! وجهات نظر وفي هذا الإطار تقول إيمان عبيد الظاهري، طالبة جامعية: كثرت بشكل غريب هذه الأيام برامج تفسير الأحلام، خصوصاً على القنوات الفضائية، وفكرة هذه البرامج واحدة تقريباً، حيث يوجد أحد المشايخ أو علماء النفس مع مقدم البرنامج.ويتصل بهما شخص ما ليروي الحلم الذي رآه حتى لو رآه منذ فترة ما دام يتذكره جيداً، فالمفسر لا يدقق أو يهتم بهذه الأمور، ولا أدري منذ متى ونحن نهتم بحفظ أحلامنا وتسجيلها حتى يفسرها لنا أي شخص، مضيفة: متأكدة من أن هذه البرامج أسهمت في خلق تفاهة جديدة لدى المشاهد العربي ممثلة في استشارة المختصين في مجال تفسير الأحلام.
وتبدي هيلة المنذري، موظفة، رأيها في الموضوع قائلة: دائماً ما أرى أحلاماً عديدة في منامي، وعلمت من متابعتي للفضائيات أن أحلام الإنسان تمثل خريطة واضحة وصريحة لمعرفة المستقبل وما يخفى له من سعادة أو شقاء، ومن هنا بدأت أسجل أحلامي كلها فور استيقاظي من النوم، وكنت لا أرى برنامجاً لتفسير الأحلام، إلا واتصل به لمعرفة طالعي، وما تقوله الأحلام، ولكن الشيء الغريب أنه لم يتفق برنامجان على تفسير واحد لأي حلم رأيته في منامي، ومن هنا بدأت ابتعد شيئاً فشيئاً عن هذه البرامج.
ويشير علي عبد الرسول، موظف، إلى أن ما يحدث من تفسير للأحلام من خلال الهاتف أو الصحف أو الفضائيات إنما هو من قبيل التسلية التي لا تصل إلى حقيقة فهم الحلم الذي يعكس عمقاً نفسياً بالنسبة للشخص، وهي كلها مجرد تفسيرات رمزية يمكن أن تنطبق على العديد من الأشخاص، ولا تعكس تفسيراً حقيقياً لصاحب الحلم.
يشاركه الرأي خالد مايد الظهوري، يقول: لم أشترك مطلقاً في أي برنامج خاص بتفسير الأحلام، ولا حتى أستمع إليه لأني أشعر أن هذه النوعية من البرامج مضيعة للوقت، واستخفاف بالعقول!
رؤية إعلامية
يقول الإعلامي أحمد بن ماجد: فجأة اكتشف الناس أنهم يحلمون، وأن لأحلامهم معاني مخفية، ولفك الألغاز أصبحت برامج تفسير الأحلام في القنوات التلفزيونية تزاحم برامج الطبخ، وصعدت هذه «الصرعة» للسطح منذ سنوات قليلة، مضيفاً: نعم، أصبحت ظاهرة تفسير الأحلام إحدى وسائل الكسب المادي سواء من خلال القنوات الفضائية، أو غيرها من الوسائل الإعلامية المختلفة، مضيفاً: متى يدرك المشاهدون أن هذه البرامج فيها نصب وتخدير للعقول، بل هي قريبة جداً من قراءة الطالع أو المستقبل والتنبؤ به.
ويوضح الإعلامي راشد الكوس، مذيع بإذاعة الشارقة أن الربحية والمكسب المادي وتحقيق الشهرة والاستحواذ على عقلية المشاهد العربي أصبحت الشغل الشاغل للفضائيات، والمفسر أيضاً هو الآخر يبحث من خلال برنامجه على القناة عن هذه الأمور، الأمر الذي يشكك في مصداقية القناة والمفسر. ويطالب الإعلامي أحمد الزاهد، مذيع في قناة وإذاعة نور دبي، بالكف عن هذه التجارة.
مؤكداً أن ما يحدث هو عملية نصب مقنن ولا يرقى بأنفسنا إلى العلم والثقافة، موضحاً أن هؤلاء المفسرين لديهم فراسة، فيتعمقون في النفس، ويحاولون معرفة ما تعاني منه، ويستحوذون على المشاهد عن طريق الاستشهاد بالنص القرآني والحديث النبوي.
أما الإعلامي زاهر هرموش، مذيع بإذاعة العربية فيرى أن برامج تفسير الأحلام التي انتشرت الآن على قنوات التلفزيون الأرضية والفضائية، وعلى صفحات الصحف والمجلات مجرد هراء، ويدعو القنوات التي تنتج مثل هذه البرامج إلى أن تسلي الناس ببرامج إيجابية تنفعهم وتوعيهم بكيفية التغلب على المشكلات التي تصادفهم في حياتهم ليتمكنوا من التغلب عليها بدلاً من السعي وراء الغيبيات وتفسير الأحلام.
سعيد الموسى، موظف في المركز الإعلامي بجامعة الشارقة، يقول: انتشرت في الآونة الأخيرة برامج تفسير الأحلام، فلا تخلو أغلب القنوات الفضائية والأرضية من برنامج لتفسير الأحلام، حتى المجلات والجرائد أصبح بها باب ثابت مخصص لتفسير الأحلام، مضيفاً: لقد تحول تفسير الأحلام إلى تجارة يروج لها تجار الكلمة والساعون للكسب من ورائها، والباحثون عن الأوهام التي تدغدع المشاعر دون التفكير في خطورة تسويق مثل هذه الأفكار الساذجة، وتكريس الجهل بين الناس، وإشاعة الخرافات، بل إنها تتجاوز أحياناً ما يقبله الإنسان السوي الذي يميز بين الصواب والخطأ.
ويشير محمد مايد السويدي، مذيع بإذاعة وفضائية الشارقة: إن ما يحدث من تفسير للأحلام من خلال تلك الوسائل إنما هو من قبيل التسلية التي لا تصل إلى حقيقة فهم الحلم الذي يعكس عمقاً نفسياً بالنسبة للشخص، وهي كلها مجرد تفسيرات رمزية يمكن أن تنطبق على الكثير من الأشخاص، ولا تعكس تفسيراً حقيقياً لصاحب الحلم.
وغالباً ما تكون تلك التفسيرات الرمزية مرتبطة بخط التفكير الخرافي الذي يربط بين ظواهر لا علاقة لها ببعضها البعض إلا مجرد التشابه الظاهري الذي قد لا يعني شيئاً، مؤكداً أن المستفيد الأول هو الفضائيات التي تروج لهذا الجهل، وكذلك مقدمو هذه البرامج الذين ينالون نصيبهم من الأرباح التي تجنيها تلك الفضائيات من تكاليف المكالمات التليفونية التي تتلقاها هذه البرامج، وهي تكاليف غير عادية، ولا تخضع لتسعيرة المكالمات الهاتفية المعتادة.
رؤية شرعية
عبدالله البريمي، إمام وخطيب ومقدم برنامج (أفتوني في رؤياي) على إذاعة القرآن الكريم بأبوظبي يقول: تفسير الرؤيا علم، وليس مجرد ضرب من الظن والاجتهاد، ولذا فهو يحتاج من المفسر الاتسام بمزايا وصفات كثيرة أهمها العلم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، وأن يكون المفسر على دراية بأحوال المفسر له وأوضاعه حتى يكون على بينة من تفسيره، وهذا لا يتوافر في مقدمي هذه البرامج، ومن هنا أرى أن معظم برامج تفسير الأحلام مجرد اتجار بآمال وأحلام الناس الذين يعانون من فراغ روحي.
دبي- جميلة إسماعيل


