منذ اللحظة الأولى لوصولك إلى تايلاند، تجد الابتسامة والترحيب لا يفارقان وجوه شعبها، وكان العرب يصفونها قديماً في كتبهم عندما يتحدثون عن الدول الآسيوية بكلمة «بلاد تركب الأفيال»، والأفيال في تايلاند مثل الجمال في الدول العربية، يركبونها في التنقل، ويستخدمونها في الزراعة ونقل الأخشاب.«الحواس الخمس» تجول في شوارع بانكوك في زيارة خاصة ممتطياً أحد أفيلتها.
هل أثرت الأزمة الاقتصادية العالمية على أجواء التسوق في شوارع بانكوك؟ الإجابة «لا» على ما يبدو؛ فشوارع العاصمة التايلاندية مكتظة بالسائحين كعادتها، حتى إن رحلات الطيران المتوجهة من وإلى بانكوك محجوزة بأكملها، فسعيد الحظ من يجد مقعداً شاغراً قبل سفره بأيام قليلة وإن دفع الضعف تقريباً.أما وباء إنفلونزا الخنازير الذي لا يزال يرعب العالم، والذي حصدت تايلاند نصيباً كبيراً من ضحاياه، لم يزد سكان هذا البلد سوى ابتكار تقليعات جديدة للبيع والتعايش مع الوضع، فأصبحت الأقنعة التي توضع على الوجه اتقاءً لانتقال العدوى موضة يتهافت عليها الجميع.
فهناك أقنعة الوجوه المبتسمة والعلامات التجارية والرسومات الطفولية، حتى ان الحيوانات أصبحت لها مجموعات لطيفة مرسومة عليها باليد، والغريب أن مبتكري هذه التقليعة لم ينسوا الخنزير نفسه فكان له قناع خاص يحمل أنفه الكبير. سعر القناع يتراوح بين 10 إلى 40 (بات) تقريباً، أي ما يعادل حوالي درهم إلى أربعة دراهم، ويعتمد هذا التفاوت على نوعية القناع، ومدى خبرة المشتري بالأسواق، والقدرة على المفاصلة.
هذا التأقلم مع الوضع والاستفادة من الظروف المحيطة ليس بالغريب على شعب تايلاند المكافح؛ فالجميع في حركة مستمرة منذ الصباح وحتى منتصف الليل، فالباعة يصفّون بضائعهم على جوانب الطرقات.
والجميع يتسوقون على مدار اليوم، حتى إن الشحاذين يكسبون نقودهم كلاً حسب طريقته التي تناسبه، فالأعمى مثلاً يجوب الطرقات بعصاه وأدواته الموسيقية مغنياً، ومبتور الأطراف يجلس على الأرض عارضاً ابتلاءه مستجدياً من المارة، وكثيراً ما يفترش الصغار الأرض استعطافاً واضعين إلى جوارهم عليهم البلاستيكية المخصصة للشحاذة والتي يقتنيها جميع أبناء المهنة.
نكهة عربية
الطعام هو ما يميز الشعب التايلاندي؛ فبالرغم من أنهم يتناولون الطعام طوال الوقت وأينما كانوا، إلا أن غالبيتهم يتمتعون بأجساد رشيقة، يقول جاك، سائق تاكسي تايلاندي، مجيباً عن سر أجسام فتياتهم النحيلة: فتياتنا رشيقات، وطعامنا صحي؛ فهو غالباً من المأكولات البحرية، إضافة إلى تناولنا الوجبات الحرّاقة والمليئة بالتوابل.
لا يكاد يخلو شارع من مطعم أو )كشك) للطبخ، حتى إن عربات الطعام تجوب الشوارع سواءً الطعام التايلاندي التقليدي أو الفواكه والعصير الطازج. أما الطعام العربي فله نصيب كبير من الشهرة في بانكوك، فهناك المطاعم العربية والإيرانية التي هاجر أصحابها إلى هذه المدينة ووجدوا فيها متسعاً للعيش هم وعائلاتهم، حتى إن المقاهي والمطاعم والمحال التجارية المصطفّة على جوانب طرقات منطقة العرب في بانكوك (سكومفيت) تحمل يافطاتها أسماء عربية مكتوبة بلغة الضاد .
وفاة ملك البوب، مايكل جاكسون، أثرت في أسواق بانكوك أيضاً كما فعلت في كل بقاع العالم، ففي كل مكان منتجات تحمل صور مغني البوب الشهير، بينما لا تزال شخصيات أخرى تحافظ على مكانتها، وتعتلي الرفوف كصدام حسين وبوب مارلي والرئيس الأميركي الحالي أوباما وغيرهم، وتباع أقنعتهم للراغبين في التشبه بهم.
مدينة الزيتون
تقع مدينة بانكوك في الجنوب الغربي من مملكة تايلاند على الضفة الشرقية من نهر تشاوبرايا الذي يصب في خليج تايلاند القريب من المدينة، لذلك تعتبربانكوك الميناء الرئيسي بالإضافة إلى كونها مركز صناعي هام واعتبارها السوق الرئيسي للمجوهرات والحلى في هذا البلد، «وبانكوك» يعني اسمها باللغة المحلية (مدينة الزيتون) وتعد واحدة من أهم وأشهر المدن السياحية في العالم، ويزورها الملايين كل عام من جميع الدول العربية.
ساحات بانكوك العامة وشوارعها مساحات للاحتفال الدائم والتجمهر، لاسيما ساحة (سيام سيكوير) التي تشهد صخباً وموسيقى أو أصوات هتاف حول أمر ما بشكل مستمر، كما أن شباب هذه المدينة يعشقون التشبه بالنجوم وعارضي الأزياء، فليس بالأمر الغريب هنا إن ارتدت الفتاة شعراً مستعاراً باللون الوردي، أو ان صبغ الشاب شعره باللون الأزرق، أو ارتدى عدسات لاصقة حمراء اللون، فكل شيء جائز .
البضائع المقلّدة هي سمة هذا البلد، فكل العلامات التجارية الشهيرة لها توأم هنا، وبالرغم من الآراء المتضاربة حول مدى جودة التقليد وقدرة المختصين على التفريق بين الأصلي والمقلّد، إلا أن التقليد بحد ذاته لا يشكل ذلك الهم الكبير للحكومة، فأغلب الباعة يصفون بضائعهم على الأرصفة، كما أن أصحاب المحال لا يبالون بحال أبواب محالهم. الحقائب والساعات المقلدة والأحذية هي ما يبحث عنه محبو جمع العلامات التجارية الراقية ظاهرياً.
فالتقليد مربك في بعض الأحيان لدرجة الحيرة، أما أشرطة الأفلام والألعاب الإلكترونية المقلدة فهي عالم من إهدار حقوق الملكية الفكرية، إلا أن ذلك لا يهم هنا، فالبيع المكثف لهذه الأفلام هو المقياس الحقيقي، خصوصاً أن الأفلام التي لم تصل إلى صالات العرض بعد حاضرة وفي المقدمة، كما أن أسعارها الزهيدة وجودة نسخها تجعلها مطمعاً للغالبية، فسعر الفيلم 100 (بات)، وبقليل من النقاش قد يهبط إلى 60 (بات)، والجميع سعداء.
الكثير من المراكز التجارية هنا تبيع العلامات التجارية الأصلية، فمركز تسوق مثل (سيام براجون) مثلاً لا يضم سوى محال راقية، أما (إم بي كي) وطوكيو سنتر فهما خيارات الباحثين عن السلع منخفضة السعر، وهو الشيء الذي يبحث عنه غالبية من يفد إلى تايلاند للتسوق. الأسواق الخارجية كثيرة في بانكوك، وتبيع هذه الأسواق السلع الرخيصة أيضاً، ولابد للسائح أن يذهب إلى هناك مدركاً حتمية خوضه جدالات واسعة مع الباعة حتى يتمكن من الشراء بأسعار شبه معقولة.
الازدحام المروري في شوارع العاصمة التايلاندية يؤثر بشكل أو بآخر في خيارات المواصلات المستخدمة، فهناك التاكسي الذي يعمل بالعداد، وقد يفضل السائق عدم استخدامه في أغلب الأحوال خصوصاً مع السائحين الذين يفرض عليهم سعره السياحي أيضاً، إلى جانب المترو.
وهو إلى جانب كونه الأسرع فهو منخفض التكلفة، فأجرة الطريق من منطقة الأسواق المهمة (سيام سكوير) إلى منطقة تجمع الفنادق في (سيكومفيت) تبلغ 20 (بات) فقط أي درهمين تقريباً، بينما قد يطلب سائق (التوكتوك) 200 بات، وهي وسيلة مواصلات أخرى أشبه بالدراجة بثلاثة إطارات، وبالمفاصلة يتدرج السعر في الهبوط اعتماداً على قدرات الطرفين الإقناعية. هناك أيضاً باصات النقل الجماعي والدراجات النارية للأجرة، إلا أن الأنسب للسائح هو استخدام القطار أو التاكسي أو (التوكتوك) بالرغم من التلوث والإزعاج الناجمين عن الأخير .
التلوث مشكلة حقيقية تعاني منها البلاد، وآثاره واضحة على المباني والطرقات والأجواء العامة، فالروائح الكريهة وطبقات الزيوت على المباني في كل مكان، لكن الحكومة تنبهت إلى ذلك، فدعوات إعادة التدوير في كل مكان، إضافة إلى نشرات ترشيد الطاقة وعدم إهدار المياه.
بانكوك - أمينة الجسمي

