«ما أن تقال كلمة «حبيبي» حتى يشعر البدن بالراحة وينعم بالطمأنينة والسلام، تتجدد الطاقة من خلال قولها ويخفق القلب بدقات غير عادية متفجرةً بنشاط الخلايا وبعنفوان يكاد يخلقنا من جديد. «حبيبي» جسر متين للوصل والتواصل بين المخلوقات، كلمة رقيقة تنتج النسيان وتمنح الغفران متوسدةً بطاقة الروح الخفيفة عمران ابدي للود ونية للتناغم والاشتهاء كذلك».

بهذه الكلمات الرقيقة عبر الفنان الهولندي ـ عراقي الأصل ـ نديم كوفي عن مشروعه الذي بدأه في هولندا ليكون تعبيرا عربيا عن المحبة والسلام، فقد بدأ بفكرة نشر كلمة حبيبي في مدينة في مدينة امرسفورت الهولندية حيث يعيش، وقد لاقى المشروع نجاحا كبيرا وصل إلى الموافقة على إدخال كلمة حبيبي في القاموس الهولندي لعام 2010 .وهو يشرح فكرته قائلا: في تعريفي لكلمة «حبيبي» ربما أكون متطرفاً قليلاً، لأنني وجدتها كلمة «طينية»، بمعنيً آخر كلمة خلق وإبداع، كلمة ندية مطواعة كما الطين، ونغمتها تداعب المهجة بشكل مباشر، قولها يتماهى أكثر مع الإحساس بنبرتها منه إلى تأثيرها الذي يتفاعل بسرعة مع الآخر.

وقد ارتأى كوفي أن ينشر كلمة حبيبي بوصفها كلمة عربية نستخدمها في مفرداتنا اليومية، فهي تتجاوز معناها الضيق لتكون بمثابة تحية وتواصل جميل، والمغترب العربي يفتقدها حين يتعامل بلغة أخرى لا يرن فيها جرس كلمة حبيبي وهو ما يعبر عنه بقوله: كنت أفكر وأنا مغترب ولغتي الأم قد غابت عني، كيف أمد خيطاً إلى الإنسان الغربي المقنن بنظامه الصارم، كي أجعله منتبهاً إلى عاطفتي الشرقية الدفينة في هذا المهجر حتى وجدت الكلمة السحرية «حبيبي»، كاتفاقية سلمية تنادي بالاستيعاب لطرف آخر طالما لم يشعر بوجودي معه. في هولندا بالذات كنت غير مرئي لسنوات عدة من إقامتي فيها ولست مشاركاً فعالاً بها كما ينبغي، وقد ساعدتني دراستي للتصميم كثيراً في فك رموز التفاعل مع الآخر العنيد.

ويروي كوفي قصة بداية المشروع قائلا: في اجتماع البلدية كنت جالسا وشارد الذهن في وقت طلبوا من كل الفنانين المشاركين موضوعات نحتية للمدينة معالجةً لثيمة «جمال الاختلاف»، في نية إلى تنوع وتسامح في التعامل مع الآخر. عندما جاء دوري سألني ماذا عندك يانديم؟، قلت بصوت منخفض «حبيبي»، عاد وسأل ثانيةً وما هذا يا ترى؟

قلت كلمة عربية معناها بالهولندي «سخات». فاستبشروا وانتبهوا جميعهم مع فضول هولندي واضح في العيان. قال كيف شكلها وهو يقصد تقنيا كمنحوتة، أخذت ورقة وكتبت «حبيبي» باللغة العربية، كان اهتمام الجميع قد حمسني كثيراً لانجاز «حبيبي» في المدينة، بعدها وافقوا على الفور ودعوني إلى مشاركة شاعر هولندي ليكتب قصيدة قصيرة جدا عن انطباعه لكلمة «حبيبي».

وهكذا مع الوقت أخذ الموضوع على محمل الجد حتى وضع على القنطرة في قلب المدينة الهولندية امرسفورت، ثم سمعت وبعد أن نشر في الجريدة المحلية أن الناس معجبون بالكلمة التي لا يستطيعون قراءتها، فإذا مر القارب من هناك صاح ركاب القارب بصوت عال «حبيبي» متفاعلين معها، ثم تطور الأمر إلى طموح جديد، بان نضع صندوق بريد قرب الكلمة نلتمس فيه من العامة أن يصوتوا لأجل إضافة كلمة «حبيبي» كلمة جديدة إلى القاموس الهولندي «فان دالا»، وقد تم ذلك مؤخراً بنجاح. الآن يتم التفاوض مع أمستردام لانجاز «حبيبي» اكبر وثلاثي الأبعاد، كخطوة ثانية في طريق طويل قد يمتد إلى مدن أوروبية أخرى.

ويرى نديم كوفي أن شكل كلمة حبيبي ونطقها يغري الأجانب بالتعرف عليها، فهو يقول حبيبي صوت وشكل لكلمة وقعها مختلف لدى سمع «غير العربي»، خاصة وهو يراقب يد العربي كيف تكتبها فيأخذ عنها تأويله التصويري الشخصي لما رسم، فهو يقرأها رسما أكثر من الكتابة، وحتى اليوم يتعجب الأوروبي كيف نكتب من اليمين إلى اليسار، هكذا إثارة كانت محركاً ودافعاً لنشرها في الشارع اندماجاً حقيقياً في إطار لغة سامية «لغة المحبة». وحين قررت تنفيذ المشروع كان غاندي مثلي الأعلى في استيعاب الآخر تداولاً بالحب والصبر والصمت في أزماتنا حتى مع أعدائنا.

ونديم كوفي فنان متعدد الوسائط البصرية، رسام، مصمم ثلاثي الأبعاد في مشاريع تخص المدينة، وأفلام قصيرة وكتب فنية، يعيش منذ 5991 في هولندا، يتحرك بشكل عالمي ملتزماً بقضية أن الفن مادة إنسانية شاملة، ولغة متداولة بين كل الأجناس عبر كل الحدود والهويات، وهو لم ينفصل عن المدينة العربية، فخلال زيارة سابقة لدبي وجد أن تلك المدينة تستوعب عشرات الأفكار، منها فكرة مسلة دبي وهي مشروع جمالي فني يعبر عن روح دبي، «أتمنى أن أستطيع تنفيذها في دبي، فالمدينة العربية تعنيني أكثر من أي مكان آخر، وهناك أفكار أخرى وضعت لها مخططات كاملة ولا تنتظر سوى وجود جهات تهتم بها لتدخل في حيز التنفيذ».

دبي ـ دلال جويد