بينما أبحث عن أغنيتي المفضلة بين محطات الراديو، استوقفني صوت فتاه تبكي بحرقة شديدة، وتقول «بحبه أوي ومش عارفة أنساه اعمل إيه»، وإذا بصوت خافت ودافئ يرد عليها «المذيع» يجب أن تكوني أكثر قوة من ذلك، وتوالت أحاديثه إليها حتى هدأت.

وقتها تساءلت: هل يمكن للبرامج العاطفية أن تحل مشكلات الشباب، وهل يمكن أن يصبح المذيع مستشاراً نفسياً لهم؟

أسئلة عديدة طرحها «الحواس الخمس» على الشباب وكانت هذه إجاباتهم.

حلال المشاكل

يقول محمد، طالب، 22 عاماً: أحياناً كثيرة تعجبني برامج تلفزيونية وإذاعية تناقش موضوعات الحب والعاطفة لدينا نحن الشباب، لكن شخصية المذيع أو المذيعة هي التي تحدد لي ما إن كنت سأكمل المشاهدة أم لا، وأتذكر أنني كنت أتابع برنامجاً شبابي الطابع على أحد البرامج الإذاعية «أنا والنجوم وهواك» للمذيع أسامة منير، ووجدت إقبالاً كبيراً عليه، ولاحظت أنه يقوم بالفعل بحل بعض المشكلات العاطفية.

أوتار القلوب

يوافقه الرأي محمود، طالب، 18 عاماً، يقول: هذه البرامج مؤثرة جداً في الشباب، فأنا شخصياً أتابعها وأستفيد منها، ومن تجارب الآخرين حتى أتفادى ما يتعرضون له، وليس معنى كلامي أن جميع البرامج العاطفية تؤثر فينا، بل برامج معينة تلمس أوتار قلوبنا، ويحاول المذيع إخراج ما بداخلنا، وفهم ما يدور في عقولنا.

طوق نجاة

وتأييداً لرأي محمود قال أيمن، موظف، 25 عاماً: أنا من أكثر المعجبين بهذه البرامج، لأنني في الواقع لا أجد من أتحدث إليه بصدق، فليس لدي صديق مقرب أحكي له مشكلاتي العاطفية، وعائلتي لن تتفهم هذه الأمور، لأنها، من وجه نظرهم، «لعب عيال»، لذلك أعتبر هذه البرامج طوق نجاة بالنسبة لي تنقذني من فخ الوحدة والاكتئاب.

مرضى نفسيون

يخالفه الرأي حازم، 19 عاماً، طالب، يقول: المشكلات العاطفية ليس مكانها البرامج، بل لابد أن نقصد أشخاصاً قريبين منا، فهم الأجدر على مساعدتنا، وتقديم النصيحة لنا، نظراً إلى درايتهم الكاملة بدروب الحياة.

أنا أتساءل ما الغاية من هذه البرامج، هل هي للشفقة على بعض الموجوعين من تجارب سابقة أم مسكنات مؤقتة يتهافت عليها الشباب؟ فأنا أخجل عندما أسمع شاباً يبكي وهو يتحدث عن مشكلته، وللأسف لا يجد من المذيع سوى إجابة متشابهة قالها لألف شاب غيره «حاول تتكلم تاني معاها»، وأحياناً أعتقد أن هؤلاء الشباب مرضى نفسيون يريدون التحدث فقط لتفريغ ما بداخلهم وليس بغرض الاستفادة.

إهداءات على الهواء

ويقول هشام، موظف، 30 عاماً: لا أجد فائدة من هذه البرامج سوى إهداءات الأغاني الرومانسية للحبيبة، وليس للشكوى، فأنا عندما أسمع هذه البرامج تنتابني هيستريا من الضحك المتواصل؛ ففي إحدى المرات اتصل شاب وهو متأثر جداً، وقال «أريد أن أهدي أغنية للخائنة شيماء وأقول لها لن يسامحك الله عما تبادر منك اتجاهي». أنا أتساءل ما هذا الكلام الذي ليس له معنى، يريد أن يخبرها بذلك يمكن أن يتصل بها تلفونياً، ويقول لها ما يريد، وليس أمام الملايين من المستمعين.

للشهرة فقط

بينما تقول ميس، طالبة، 22 عاماً: إن الشباب يشتركون في هذه البرامج فقط لمجرد التسلية، وتضييع الوقت، وليس إيماناً منهم بحل مشكلاتهم العاطفية، لأنك مهما تحدثت مع المذيع لن يستطيع حل مشكلتك، لأنه في الأساس لن يتفهمها بعمق، فهو يقدم البرنامج لمصلحته الشخصية، فكل ما يشغل تفكيره هو أن يلمع برنامجه ويصبح مذيعاً مشهوراً.

ويرى الدكتور محمود عبد الله، أستاذ علم النفس، أن البرامج التي تتخصص في حل المشكلات العاطفية ليست سيئة، لكنها تسلي وتشغل فراغ الشباب أكثر من كونها مفيدة ومؤثرة، وذلك لأن غالبية تلك البرامج تصاغ بفكر إعلامي، وليس بفكر تعليمي، أي أن مسؤولي المحطة الإذاعية أو التلفزيونية يرغبون في تحقيق نسبة مشاهدة عالية، ولا يفكرون في أنه من الضروري اختيار المذيع بعناية بالغة، إضافة إلى توافر صفات معينة فيه؛ كالذكاء وكاريزما الإلقاء ليساعد مشاهديه ومستمعيه من الشباب في رؤية مشكلاتهم العاطفية بزاوية تساعدهم في حلها.

انكسار القلب

أثبت علماء من جامعة تونجن الألمانية أن المشكلات العاطفية لا تؤثر في القلب وحسب، بل على الجسم كله، حتى أن عمل بعض المناطق الدماغية في مخ المرأة تحديداً يتضرر بشدة بعد تجربة الانفصال من علاقة عاطفية.

وأكثر المناطق تضرراً هي تلك المسؤولة عن المشاعر والحماس، وأيضاً النوم والطعام. وأكدت الدراسة الألمانية مجموعة من الحقائق بينها أن «الأزمات العاطفية» مشكلة يعاني منها كل الأشخاص في مختلف الأعمار والأعمال، فعند فقدان الإنسان الحبيب، يسيطر عليه شعور أشبه بالتلاشي وفقدان التوازن.