مع اختلاف الرؤى في تقييم مسيرة السينما المصرية منذ بداياتها مرورًا بكل مراحلها، إلا أن هناك إجماعًا واتفاقًا تامًا على أن هذه السينما قد ساهمت إلى حد كبير في توثيق كثير من المشاهد التاريخية في الوطن العربي عامة، ومصر بصفة خاصة، إلى جانب ما قدمته من أعمال طرقت قضايا اجتماعية وسياسية واقتصادية بجرأة كبيرة، وبشكل مواكب للمتغيرات المستمرة في عالمنا العربي والإسلامي.

انطلاقا من هذه الأهمية، خرج إلى النور إصدار جديد تحت عنوان «السينما المصرية التأصيل والانتشار 1935 - 1952» للكاتب هشام النحاس، تناول فيه مرحلة محددة من تاريخ السينما المصرية عبر حلقة بحثية ضمت أبحاث ودراسات لعدد من المهتمين والمؤرخين للسينما المصرية.في مقدمة إصداره أشار الكاتب إلى أن الفترة من العام «1935-1952» تعد مرحلة فاصلة في تاريخ السينما، موضحا: «لهذه المرحلة سنوات قاطعة بينها ومراحل أخرى سابقة أو لاحقة لها، وهي فترة تداخلت فيها المراحل الفنية سواء في السينما أم غيرها من ضروب الفنون الأخرى، وكذلك المراحل التاريخية نفسها».ومن المؤسف أنه عندما نكتب تاريخنا «أعني تاريخنا الفني وبخاصة السينمائي» ـ والكلام للكاتب ـ نستند غالبًا إلى النظرة الغربية، ما يؤثر في فهمنا للظاهرة التاريخية الفنية التي تخصنا، وكثيرًا ما أدى ذلك إلى عدم إدراكنا لأسباب نجاح أو سقوط فيلم أو قدرتنا على تقييم نوع معين من الأفلام.

التاريخ الفني

من هذا المنطلق تناول النحاس كيفية الخروج من هذا المأزق المزدوج عند كتابة التاريخ الفني، وبخاصة «السينما»؟ أي المأزق المزدوج حول سيطرة النظرة الغربية من ناحية، والانزلاق إلى الذاتية من ناحية أخرى.

مؤكدًا في هذا الصدد أنه لا مفر لنا من كتابة تاريخنا الفني بأنفسنا، ولا نلجأ إلى الغرب لنأخذه بأفكاره ومقاييسه، وإنما لنعلم كيف نصل إلى أفكاره عملاً بالحكمة الصينية التي تقول «من الأفضل أن نتعلم كيف نصطاد السمكة بدلاً من أن نستجديها أو نشتريها»، على أن يبقى في الذهن أننا لا ندرس الماضي من أجل الماضي، وإنما من أجل فهم الحاضر والتخطيط للمستقبل، ولا يمكن أن يتحقق لنا ذلك بدراسة تاريخ الفن مستقلاً عن التاريخ بكل تصنيفاته: الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية وغيرها، وارتباط كل ذلك بالتقنية الفنية وأساليبها في التعبير.

قضايا خلافية

يعرض الكاتب لعدد من الأبحاث والدراسات التي قدمها عدد من المهتمين والمؤرخين للسينما المصرية، بدأها بورقة عمل «قضايا خلافية في تاريخ السينما المصرية»، حاول فيها أن يطرح بعض الأسئلة المثيرة للجدل حول المرحلة ـ موضوع حلقة البحث ـ ويقول: «ما أقدمه من إجابات هي بمثابة اقتراحات، وفيها أطرح التساؤل المثار حول بداية السينما المصرية واختلاف الرؤى فيها.

وأقدم رؤيتي عن البداية الحقيقية للسينما العام 1935، وأقدم مبرراتي لهذا الاختيار، كما أقدم مبرراتي للنظر إلى هذه المرحلة ـ موضوع الدراسة ـ باعتبارها مرحلة واحدة وليست على خلاف ما ذهب إليه غالبية المؤرخين والنقاد الذين يقسمونها إلى مرحلتين، كما أطرح من الأسئلة ما يخص كيفية تحديد أهمية الفيلم، أو عن كيفية تقييم العصر الفني له.

أساطير جديدة

وتحت عنوان «أساطير جديدة في سينما قديمة»، يؤكد الدكتور محمد كامل القليوبي أن السينما المصرية التي اعتمدت أفلامها في بداياتها على أساطير التراث الشعبي المصري، ما لبثت أن عادت إلى القيم الأسطورية «الرجعية» عندما انتقلت إلى معالجة أحداث معاصرة في كثير من أفلامها.

موضحا أن هذا الملمح في السينما المصرية مثّل أحد الملامح الأساسية في هذه المرحلة، ولكن كان أول ملامحها في رأيه يبدأ مع فيلم «ليلى» العام 1927، حيث يرى إنه كان نموذجًا لمواصفات الفيلم الاستثماري المصري الذي اتخذ غطاء وطنيًا، وفيه تبدو المادة الأجنبية مصدر الشر والخراب للأسرة المصرية «إشارة رمزية للاستعمار» وهو ما تكرر في عدة أفلام تالية.

ومن الملامح التي يرصدها القليوبي وتميز المرحلة ـ موضوع البحث ـ التمسك بالهوية القومية للفيلم المصري، وهو ما يشير إليه عدم إقبال الجمهور على فيلم «قبلة في الصحراء» الذي قدم على نمط الفيلم الأميركي «ابن الشيخ»..

بينما في المقابل كان فيلم «زينب» - 1930 فيلما مصريا خالصا جعل من الفلاحين أبطالاً لقصته، ووجدت قصص المسرح الشعبي «الميلودرامية» مرتعًا لها في السينما المصرية، كما اعتمدت السينما المصرية في مجموعة كبيرة من أفلامها على اقتباسات من الآداب الأجنبية، وبخاصة «غادة الكاميليا» و«ماجدولين»، وعنهما تكرر الاقتباس في أكثر من فيلم.

رؤية ومقارنة

وتناول الكتاب الدراسة التي قدمها الدكتور قدري حفني عن «رؤية اجتماعية نفسية للسينما المصرية قبل 1952» ربط فيها بين السينما وأسطورة نرجس، فيقارن بين حب نرجس للتطلع إلى صورته على صفحة المياه، وحب الجمهور للسينما، كما يربط بين ما تبقى في أعماق اللاوعي الإنساني من عهود العبودية، ومشاهد التحرش بالمرأة أو اغتصابها، ورأى حفني أن السينما صورة من صور أحلام اليقظة، ويخلص إلى تحديد ما يراه من سمات اجتماعية نفسية لما تعرضه الأفلام المصرية في هذه المرحلة.

وعن جمهور السينما خلال هذه الفترة، قدمت الناقدة فريدة مرعي دراستها الوصفية «الجمهور المصري والسينما في الثلاثينيات والأربعينيات»، وفيه تعتمد على صحف بعينها صدرت في هذه المرحلة، تستخلص منها بعض الملامح التي تحدد علاقة الجمهور بالسينما وقتها، ومنها تمييز أصحاب دور العرض الأجنبية بين المتفرج المصري والمتفرج الأجنبي في حضور عروض السينما.

وكذلك موقف الجمهور في الصراع بين الأفلام الأجنبية والأفلام المصرية، وتكشف أحيانا عن موقف النقاد من بعض العروض، وهكذا تركت الناقدة لقارئ الدراسة استخراج الدلالة في كل حالة من هذه الحالات وغيرها.

البنية الاقتصادية

من جهته تناول الناقد علي محمود في بحثه حول «البنية الاقتصادية للسينما المصرية» أوجه النمو للبنية الاقتصادية التحتية للسينما التي أخذت تنمو في أعقاب إنشاء أستوديو مصر في العام 1935، وهي البنية التي عملت على إرساء الدعائم الاقتصادية للسينما المصرية، وضمنت استقرار وجودها، وشملت الدراسة الاستوديوهات، المعامل، شركات الإنتاج، دور العرض والتوزيع .

تضمن الإصدار بحثا آخر مشترك بين الدكتورة نادية أبو غازي والدكتور علاء عبد العزيز السيد احتفظا فيه بالطابع الأكاديمي الموثق بالمراجع، وعنوانه «الرؤى السياسية في الأفلام المصرية»، وانقسم البحث إلى ثلاثة أقسام أولها: منهجية تحليل النص السينمائي وقراءة الفيلم، والثاني: عن السياق الاجتماعي والسياسي في مصر بداية من الأربعينيات حتى ثورة يوليو 1952، والثالث: يتناولان فيه بالتحليل السينمائي نماذج من الأفلام منها فيلم «قلب امرأة» 1941 إخراج توجو مزراحى.

ناقش الكاتبان في بحثهما ما كشف عنه الفيلم من صراع طبقي وارتحال اجتماعي داخل المجتمع، ويكشفان عن تغييب السلطة وأثرها في المجتمع في فيلم «علي بابا والأربعين حرامي» 1942 للمخرج توجو مزراحي، أما في فيلم «عنتر ولبلب» 1952 لسيف الدين شوكت فيكشفان عن العلاقة «الرمزية» بين الفيلم والصراع الوطني ضد الاحتلال.

السينما والتاريخ

وفي دراسة «السينما والتاريخ ... طرح السؤال هل هناك أفلام تاريخية مصرية؟» هنا يرى الدكتور قاسم عبده قاسم أن التاريخ جاذب لجمهور السينما، حيث تشبع الأفلام التاريخية حاجة الجمهور إلى التعرف إلى ذاته من ناحية، وتأكيد هويته من ناحية أخرى، ولذلك نرى الإقبال الشديد على الأفلام التاريخية، وقد حرصت السينما الأميركية والأوروبية على تقديم العديد منها.

ويذكر الدكتور قاسم من هذه الأفلام التي تتوخى الصدق التاريخي BRAVE MAN، GLADIATOR، THE VIKING، ويعتني خاصة بفيلمي «مملكة السماء» و«الفارس الثالث عشر». أما بالنسبة للأفلام المصرية فيجيب بالنفي عن السؤال الذي طرحه في عنوان دراسته، ويتناولها فيلما بعد آخر مبينا فيها أوجه الانحراف عن الحقائق التاريخية.

ومن بين السير الشعبية العربية التي تبلغ عشر سير، تحظى سيرة «عنترة» بالاهتمام الأكبر من الأدباء والفنانين، ومنهم فنانو السينما الذين استوحوا منها بعض أعمالهم، وهو ما ذهب إليه الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي في دراسته عن «عنترة بين السيرة والذاتية والسينما»، وفيه يرصد الأعمال الأدبية من الروايات والأعمال المسرحية التي كتبت عن هذه السيرة، ويذكر منها خمسة أفلام سينمائية توالت من العام 1946 بفيلم «عنتر وعبلة»، وآخرها «عنتر يغزو الصحراء» العام 1969.

ويرى الدكتور الحجاجي أن الفيلم الأول «عنتر وعبلة» 1946 إخراج نيازي مصطفى بطولة كوكا وسراج منير، من أفضلها وأقربها إلى روح السيرة، ويقدم تحليلا مقارنا بين بعض مشاهد الفيلم ووقائع السيرة.

الأفلام الغنائية

إلى هنا دلف الحجاجى إلى الرؤية الفنية لسينما هذه المرحلة ـ موضوع حلقة البحث ـ من خلال دراسة قدمها بعنوان «العزيمة علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية»، قال فيها: أحاول في هذه الدراسة أن أقدم تحليلا فنيا لفيلم «العزيمة» 1939 إخراج كمال سليم، أكشف من خلاله عن الجوانب الفنية والفكرية والاجتماعية التي تبرزه وتميزه عن أفلام هذه المرحلة الأخرى، وتجعل منه نموذجًا فريدًا بينها، كما تكشف الدراسة عن جذور الواقعية التي وضعها هذا الفيلم في السينما المصرية، وكان رائدا لها.

وإذا كانت الدراسة السابقة تنصب على فيلم واحد من أفلام المرحلة ـ موضوع البحث ـ فالدراسة التي يقدمها الدكتور محمود علي فهمي تشمل نوعية كاملة من أهم وأشهر نوعيات أفلام هذه المرحلة وهي الأفلام الغنائية، وذلك تحت عنوان «مسيرة الأفلام الغنائية المصرية من 1935 حتى 1954».

وفيه يقدم فهمي تصنيفا جديدا لأفلامنا الغنائية، حيث يقسمها إلى أربعة أنواع وهي الغنائية التطريبية، الغنائية الاستعراضية، الغنائية الخفيفة، وقسم رابع عن الأفلام الغنائية التي يغلب على قصتها الميلودراما أو الحركة، وهو تقسيم جدير بالاعتبار ـ وإن كان من الممكن أن يثير الكثير من الجدل ـ وذلك بالإضافة إلى دراسته عن أشهر مخرجي هذه النوعيات من الأفلام البالغ عددهم 17 مخرجا، وفي مقدمتهم صاحب الريادة الأول محمد كريم.

القاهرة - دار الإعلام العربية