أوبريت (الحلم العربي) ونظيره (الضمير) كانا فرحتين عارمتين عبرتا عن حال الشارع العربي الراغب في الوحدة والتضامن في وجه العدو الإسرائيلي. وقتها ترنمت الشعوب بلحنيهما وكلمتيهما. بعد فترة لم تصمد هاتان الأغنيتان في وجه الأغنية الشبابية.

ونسيت الشعوب العربية الأغنيتين في الوقت الذي تواجه الأغاني الوطنية، اتهامات نقدية شرسة بحجة ضعف مستواها الفني من حيث الكلمة واللحن والصوت، فضلاً عن الترهل والوقوع في شرك التقليد، والافتقار إلى الهيبة والحافز الحقيقي القوي وراء إبداعها. «الحواس الخمس» يستطلع آراء النجوم والنقاد حول وضع الأغنية الوطنية والحال التي آلت إليها. القضايا الساخنة لا شك أن طبيعة الأحداث والقضايا الساخنة التي تمر بها فلسطين المحتلة تدفع الفنانين العرب لمحاولة بعث أصواتهم وموسيقاهم أمام دوي المدافع والمتفجرات، للتعبير عن قوة الانتماء وإلهاب حماس الجماهير.

ولمّ شمل الشعوب العربية مع بعضها، ولعل أبرز الأغاني الوطنية الأوبريت الأكثر نجاحاً وذيوعاً في السنوات الأخيرة (الحلم العربي) فبرغم من كونه ملتقى لأفضل الأصوات العربية من مطربين ومطربات، وبالرغم من جمال الجملة اللحنية الهادئة المتكررة التي صاغها الموسيقار حلمي بكر.

فإن الكلمات التي ألفها الشاعر الدكتور مدحت العدل لا تتجاوز كونها تعبيراً عن «حلم» وليس عن «واقع»، فالوحدة العربية صارت «حلماً بعيد المنال»، كما أن لهجة «الاحتمالات»«جايز» هي المسيطرة على الأوبريت وليست لهجة اليقين، ثم جاء أوبرت «الضمير العربي» ليحكي عن حال أطفال فلسطين ولبنان والعراق .

وقد شارك فيه الكثير من نجوم الغناء العربي في العالم العربي ومنهم: أصالة، لطفي بشناق، إيهاب توفيق، الشاب جيلاني، ماجد المهندس وغيرهم ورؤية وإخراج طارق العريان. وفي نهاية الأوبريت كانت هذه الكلمات التي اختصرت كثيراً من العبارات: ان شجرة الظلم لا تثمر، وان من بالغ في استسلامه ضاق فكره عن رؤية الحقيقة، وأن عواقب الصمت أشد خطورة من أسبابه، والضمير منارة الإنسان إلى الصواب.

وحول وضع الأغنية الوطنية وحالها يقول الموسيقار محمد علي سليمان: الأغنية الوطنية الراهنة في موقف لا تحسد عليه، فمسيرة السلام لم تكتمل بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ومع ذلك فنحن ملتزمون بمعاهدة السلام، كما أن الفنان بطبعه يعشق السلام، فماذا تنتظر أن تقول الأغنية الوطنية حالياً؟ إذا كان القادة يتحلون بالدبلوماسية، فهل من الممكن أن تنجح أغنية وطنية دبلوماسية؟

أشك في ذلك الأمر. إننا في مرحلة فارقة من التناقضات وتعدد الآراء وانعدام الوزن وخلط الورق، وفي تصوري أنه على الأغنية الوطنية أن تتجه إلى الرومانسية والهدوء بدلاً من الشعارية والحماسية الزاعقة من دون وجود هدف محدد.

ويقسم الموسيقار حلمي بكر أنماط الغناء الوطني إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الأغنية الوطنية (وهي تعبير عقلي)، والنشيد الوطني (وهو تعبير حماسي)، والمغناة الوطنية (وهي تعبير حسي).

أما الأوبريت الوطني فقد يكون ملحمة أو لوحات تعبيرية، يقول بكر: لقد استنفدنا كل هذه التيمات للأسف الشديد في احتفالاتنا السنوية بذكرى نصر أكتوبر 1973 وأعياد سيناء وأعياد الثورة والأغاني القومية، ولكن المحصلة بين أيدينا هي عدد محدود جداً من الأعمال الغنائية الصادقة، فالفن الحقيقي لا تصنعه التكليفات الرسمية، ولا المصالح الشخصية.

الأغنية الدبلوماسية

المطرب إيهاب توفيق يقول: من وجهه نظري الخاصة، التي قد يختلف البعض معها أو يتفق، إن الأغنية الوطنية ارتدت في عصرنا الحالي ثوباً جديداً ومختلفاً عن ثوبها الذي اشتهرت به في زمن الحروب، بمعنى أوضح أستطيع القول إن عصر الأغنية المرتبطة بالحروب والثورات انتهى دورها لعدم وجود أحداث كمثل التي كانت في الماضي.

بينما ما لم تنتهِ ولا تزال وستظل هي الأغنية القومية، فهي باقية ومن المستحيل أن تنتهي، لأنك من خلالها تغني لبلدك أو حبيبتك أو لأي شيء آخر له قيمة لديك، فتتغنى بالأغنية القومية تحت أي ظرف مثل حب الوطن أو حب الكيان أو لدعوة شعوب أخرى لزيارة بلدك للسياحة فهذه موجودة لم ولن تنتهي.

الواقع العربي

وتضيف المطربة أمال ماهر: واقعنا العربي الذي نعيشه هو الذي يؤثر في شكل الأغنية وأسلوب تقديمها فهل واقعنا العربي الآن ينتج ما يخدم قضايا الأمة ويتخذ قرارات تحمس الفنان على الإبداع وتجعل الفنان المستمع خصوصاً الشباب يصدقونه فيما يقوله لهم؟ لا أعتقد ذلك وتقول أنغام: الفنان شاعراً كان أم مطرباً يكون منفعلاً ومتأثراً من داخله بأحاسيس صادقة تدفعه للإبداع دون أن يقول له أحد أو يطلب منه ذلك، فمن المستحيل أن يصدقه الناس مهما فعل بأن الأمر ليس تكليفاً بقدر ما هو انفعال بمناسبة أو حدث بعينه يدفعه شعوره وحسه للعمل بناء على تأثره.