احتلت الأغنية الوطنية على مر العصور قيمة وطنية وإبداعية، فمن خلالها نتعرف إلى أحوال الوطن وزعمائه، ومراحله المختلفة التي يمر بها من فترات ازدهار وسلام وحرب وأحداث سياسية واجتماعية واقتصادية، فلا يزال صوتها مسموعاً، وخصوصاً عندما تحل ذكرى انتصار في حرب، أو إحياء ثورة قومية حققت عزة وكرامة لشعب، لكن المتأمل يجد أن الأغنية الوطنية تعيش حاليا أزمة حقيقية، ولم يعد لها وجود على الساحة، في الوقت الذي انتشرت أغاني الفيديو كليب الهابطة.
«الحواس الخمس» يفتح ملف تراجع الأغنية الوطنية، وإحجام المطربين والشعراء عن تقديم مثل هذه النوعية من الأغاني بالرغم من الظروف الحرجة التي تمر بها الأمة العربية.الكل يتفق على أن الأغنية الوطنية ازدهرت إبان فترة الاستعمار الذي خيم على المنطقة العربية، واستجابة لروح الحرية والتحرر خرجت الأغاني الوطنية من نبض الشارع وامتزجت بالحماسية، وكانت أحد عوامل الاستقلال بعد ذلك. بعد الاستعمار عاشت الشعوب العربية مرحلة الكفاح ضد العدو الإسرائيلي وكانت الأغاني الوطنية تؤجج مشاعر الجنود على الجبهة وخصوصاً أغاني عبدالحليم حافظ وأم كلثوم. وعلى الرغم من أننا نعيش في زمن الحرية، باستثناء فلسطين وأجزاء من سوريا، إلا أن الأغنية الوطنية تكاد تكون مختفية مقارنة بالأغاني الأخرى، وخصوصاً الشبابية التي تتغنى باسم الحب وأشياء أخرى.
تمتلك مصر ثروة هائلة من الأغاني الوطنية التي بدأها الشارع المصري قبل الشعراء والمبدعين، عندما غنى الشارع لسعد زغلول يوم نفيه (يا بلح زغلول يا حليوه يا بلح) فركب بيرم التونسي وسيد درويش الموجة، وخرجت أعذب الألحان لتتحول المارشات العسكرية التى كانت تمثل الأغانى الوطنية إلى شيء آخر، وليغني الشعب المصري وراء بيرم الذي كان متعصباً للمصرية (ياعم حمزة). ويعد سيد درويش ماركة مسجلة للأغاني الوطنية التي كانت قبله متأثرة بالموشحات العثمانية، فالغناء الوطني انتقل من الشارع إلى الصالونات، ودخل في هذه الموجة حافظ إبراهيم والسنباطي ثم عبدالوهاب بنشيد الحرية، الذي ارتبط به الشعب وأصبح النشيد الوطني، ثم علي محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، وجذب الغناء الوطني كوكب الشرق أم كلثوم في ذلك الوقت.
مطرب الثورة
عرف عن عبدالحليم حافظ أنه مطرب الثورة المصرية، حيث تحول من مجرد مطرب عاطفي إلى رمز تعلق الناس به حينما غنى (فدائي.. فدائي.. أهدي للعروبة دمائي)، والأمر نفسه بالنسبة لعبدالوهاب الذي قام بأكبر ثورة للتلحين في عصره، كما قدم بصوته أغنيات أصبحت علامة في تاريخ الأغنية الوطنية العربية، أبرزها رائعة علي محمود طه (أخي جاوز الظالمون المدى) التي تغنى بها بعد نكبة عام 1948، على الرغم من أن تاريخه مع الأغنيات الوطنية يرجع لأبعد من ذلك.
حيث قدم في أربعينات القرن العشرين سبع أغنيات وطنية لاقت استجابة جارفة وقتها وفيما بعد، حيث وجد عبدالوهاب أن مناخ الأربعينات يمكن أن يتفهم هذه الأغنيات، وخصوصاً أن الأحداث كانت تتابع في أكثر من قطر عربي، حيث كانت الشعوب تثور على مستعمريها، فقد كان هذا العقد أكثر العقود في تاريخنا العربي ثورة على المستعمر، وبرغم ذلك منعت الإذاعة المصرية بعض أغانيه القوية، ويقال إن المنع تم بإيعاز من السفارات الأجنبية، في حين يقول البعض إن المنع تم بناءً على تعليمات القصر الملكي.
وجاء نشيد (وطني حبيبي الوطن الأكبر) ليمثل مرحلة الغناء القومي والدعوة للوحدة العربية التي غنت لها الشعوب العربية، وكانت تطلب من الإذاعة المصرية نسخ تلك الأغاني لإذاعتها، فكان المطربون العرب يتوافدون إلى مصر ليغنوا الأغاني القومية التي أصبحت جزءاً من تاريخ الأحداث الكبيرة.
أما عبدالحليم حافظ فقد ظهر في فترة خمسينات وستينات القرن العشرين، حيث كانت الدول العربية تخرج من عصر الاحتلال إلى عصر جديد شهدت فيه البلاد العربية عدة تغيرات إيجابية وجدت معبراً لها لدى عبدالحليم حافظ، الذي يعد رائد الأغنية الوطنية وصاحب التراث الأكبر في الأغنيات الوطنية بين الفنانين العرب، ولا تزال أغنياته تتردد في كل المناسبات الوطنية والعربية، خصوصاً أيام المؤتمرات القمم العربية التي يعلو فيها صوته برائعة (وطني الأكبر) و(صورة) وغيرهما من الأغنيات الرائعة.
عدى النهار
ويقول الأبنودي عن أغنية (عدى النهار) التي كتبها للعندليب بعد نكسة 67 التي وصفها بأنها ليلة لا تنسى، فالحسرة والألم شقت قلبه هو وكمال الطويل ومجدي العمروسي وعبدالحليم حافظ: أصابنا كلام عبدالناصر بالصدمة عندما أعلن يومها التنحي، وبمجرد سماعنا الخبر لم ننتظر بل انفجرنا كلنا في بكاء مرير وأصواتنا تتمزق حسرة، بل إن بليغ حمدي فقد وعيه وأخذ يصرخ كمن يسير في جنازة.
وهو يردد بأسى ولوعة «آه يا مصر»، ويضرب بيديه الأرض، أما عبدالحليم فأخذ يردد بصوت عالٍ لابد من الذهاب إلى عبدالناصر، وبالفعل نزلنا إلى الشارع متجهين إلى منزل عبدالناصر، وإذا بنا نفاجأ بأن سيارتنا قد غاصت في بحر من البشر المتدفق من كل مكان تهتف لعبدالناصر ألا يتنحى، بعدها اتصل بي عبدالحليم وطلب مني تأليف أغنية تعترف بالهزيمة، أخرجت له من جيبي (عدى النهار) فصمت بعمق ثم اتصل ببليغ حمدي، وطلب منه أن يأتيه على الفور، وهكذا ولدت (عدى النهار).
وغنى أيضاً عبدالحليم أغنية (أحلف بسماها وبترابها) الذي لحنها كمال الطويل، وفي مبنى الإذاعة وتحت دوي القنابل، وكانت الكلمات وليدة اللحظة والانفعال بما حدث بعد النكسة، وأقسم عبدالحليم أن يغني هذه الأغنية في كل حفلاته، وفي أي مكان في العالم قبل أن يبدأ أي أغنية جديدة في أي حفل، ولم يتوقف عن ترديدها حتى قام الجيش المصري بتحرير الأرض والعبور في عام 1973 وبعدها بدأ أغنية جديدة اسمها (عاش اللي قال).
عيشي بلادي
نشيد الإمارات الوطني «عيشي بلادي» تغنى به الشعب مع قيام اتحاد الدولة عام 1971، ووضع لحن النشيد الفنان المصري الراحل سعد عبدالوهاب، وبقي فترة طويلة مجرد لحن دون كلمات على أن تمت تجربة تركيب كلمات تناسب اللحن، وقد وضع الكلمات الشاعر عارف الشيخ في بداية الثمانينات، وروى عارف أنه بعد التكليف استمع إلى موسيقى السلام الوطني لأكثر من سبعين مرة قبل إيجاد كلمات تتماشى مع اللحن، وقال: عادة تكتب الكلمات ومن ثم يأتي اللحن، وأشار إلى أنه واجه صعوبة في إيجاد كلمات تنسق مع لحن السلام.
بحبك يا لبنان
قدم الأخوان الرحباني مع فيروز المئات من الأغاني التي أحدثت ثورة في عالم الموسيقى، حيث غنت للحب والأطفال والقدس لتمسكها بالقضية الفلسطينية وطبعاً لبلدها لبنان (بحبك يا لبنان)، (خدني ازرعني بأرض لبنان)، كما لا يمكن نسيان جمال وروعة أغاني مارسيل خليفة وسميح شقير وأحمد قعبور التي ألهبت مشاعر المواطن العربي بشكل إيجابي لتحرير الأرض المحتلة والدفاع عن الحقوق المغتصبة.
ومن أجمل الأغاني التي لا يزال الشعب العربي يرددها وراء فيروز أغنيتها (يازهرة المدائن)، التي تقول فيها: لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي، لأجلك يا بهية المساكن، يا زهرة المدائن يا قدس، يا مدينة الصلاة أصلي. عيوننا إليك ترحل كل يوم، تدور في أروقة المعابد، تعانق الكنائس القديمة، وتمسح الحزن عن المساجد.
دبي- عبادة إبراهيم


