تجارب متنوعة عدة بدأت ترسم ملامح السينما الإماراتية، خصوصاً بعد الاهتمام الكبير بهذا القطاع من قبل المسؤولين، حيث نرى اهتماماً كبيراً بتنظيم المهرجانات المحلية والدولية التي تحفز الشباب من ذوي المواهب، وكذلك الدورات التدريبية المتخصصة في مجال الإخراج والتمثيل وكتابة السيناريو، وكل ما يتعلق بمجال السينما، من جهة أخرى نرى إقبالاً كبيراً من جانب الشباب الإماراتي على ممارسة دور المخرج وصناعة السينما المحلية... «الحواس الخمس» التقى عدداً من المخرجين الشباب لنتعرف عن قرب إلى أسباب اهتمامهم بالإخراج السينمائي عوضاً عن الأدوار الأخرى في كواليس العمل المحلي.

المخرجة منال علي بن عمرو، إماراتية بدأت حياتها السينمائية عام 2005. أخرجت عدداً من الأفلام الروائية القصيرة، وشاركت في العديد من المهرجانات والمسابقات المحلية، وأحرزت عدداً من الجوائز خلال مشاركاتها، تجد في هذا الزخم الجديد من المخرجين الشباب على الساحة بداية جيدة لصناعة سينما إماراتية، تقول: هناك طاقات شابة مواطنة موهوبة موجودة، فما المانع من ظهورها؟ ـ الدولة تتيح الفرص للشباب الراغبين في إظهار قدراتهم الفنية سواء من خلال المهرجانات أو الدورات، وتقدم لهم الفرص على أطباق من ذهب، هذا الوعي لأهمية صناعة السينما من قبل المسؤولين شيء رائع ويميزنا، وهذه التجارب الصغيرة التي يقبل عليها المخرجون الشباب هي بداية مبشرة، وهي التي تصنع المخرجين المحترفين مستقبلاً.

الدراسة الأكاديمية مهمة، لكنها ليست المحك الحقيقي فلابد من الموهبة، وهناك الكثيرون ممن تطورت أعمالهم بعد التجارب الفاشلة في البدايات، كما أن غالبية مخرجينا الشباب يتعاونون فيما بينهم لإنتاج أعمالهم الخاصة، فتجد المخرج كاتب سيناريو فيلم زميله، أو مصوراً في فيلم آخر وهكذا. باختصار نحن في بداية مرحلة تكوين السينما الإماراتية، والباب مفتوح لجميع الموهوبين لتقديم تجاربهم.

مشكلة حقيقية

المخرج محمد الحمادي، شاب لديه الكثير من التجارب في مجال الأفلام الروائية القصيرة، يرى أن الوعي السينمائي قاصر لدى العامة، يقول: يعتقد الكثيرون أن المخرج هو أهم دور في العمل السينمائي، لكن الحقيقة أن لكل المشاركين في تكوين العمل دوراً مهماً، فالممثل ومصمم الأزياء والديكور والماكيير كلهم حلقات في سلسلة واحدة هي الفيلم.

لابد أن يبحث كل شخص موهوب عن نفسه جيداً كي يعرف المكان الأنسب له في هذا المجال، فهناك الكثير من المخرجين على الساحة المحلية تنقصهم الأدوات، هذا الأمر ليس بالمشكلة الكبيرة حالياً، لكنها وبعد سنوات عدة ستكون مشكلة حقيقية، حيث سنواجه أعداداً من المخرجين الفاشلين.

هالة المخرج

المخرج أحمد زين يقول: الأفلام المحلية القصيرة ليست تجارية، فالمشارك فيها همه الظهور في المهرجانات والمسابقات، وبما أن غالبية المشاركات الأخرى والأدوار التي يقدمها طاقم الفيلم لا تلقى الاهتمام نفسه الذي يحظى به المخرج؛ تجد الغالبية يتجهون إلى الإخراج، فالمخرج هو من يسجل العمل باسمه، وهو من يحمل الجوائز، وهو من يتلقى الدعوات للمشاركة في المهرجانات العالمية كذلك.

هناك كثير من المخرجين الشباب بالفعل لكن الجيدين معروفون، ويعدّون على الأصابع، وبطبيعة الحال يقدم الجميع أفلامهم لكن المخرجين الجيدين والحقيقيين يستمرون، بينما يتساقط الفاشلون بعد عملين أو أكثر، فالإخراج ليس بالمسألة السهلة.

حب للظهور

أما المخرج الشاب إبراهيم أستاذي فلا يرى أن أعداد المخرجين الإماراتيين الشباب كبيرة، يقول: هناك أعداد من المخرجين ليسوا من المتخصصين ممن التصقوا بصناعة السينما المحلية، بعضهم من دون خبرة أو دراسة أكاديمية حقيقية لهذه المهنة، فنحن نتعلم ونجتهد لإخراج فيلم واحد يستغرق منّا الكثير من الجهد والوقت، بينما هناك من لا يتمتعون بالخبرة ينتجون أكثر منّا.

ربما أصبح العمل الإخراجي موضة أو مهنة من لا مهنة له، فالبعض يحب الظهور الإعلامي والحصول على لقب المخرج، هذه الأمور لابد وأن يكون لها تأثير سلبي، إلا أنه لا يصح إلا الصحيح والمتلقي يمكنه أن يميز عمل المخرج الحقيقي في النهاية.

أيضاً هذا التأثير السلبي يظهر خلال المهرجانات التي يشارك فيها مخرجونا، ويقبل عليها أيضاً مشاركون ومشاهدون من مختلف الدول، فيأخذ هؤلاء فكرة مغلوطة وسيئة عن السينما الإماراتية لا تسعدنا بالطبع. هناك تجارب فاشلة وأخرى فارغة، لكن المخرج الموهوب باختصار يمكن تميّزة من فيلمه الأول.

مغريات

المخرج المسرحي عمر غباش يرى أن الشباب يرغبون في القيام بكل شيء في آن واحد، خصوصاً أن صناعة السينما الإماراتية لاتزال في بدايتها، يقول: بعد فترة من الزمن سيكون هناك انتقائية أكبر بالنسبة لهؤلاء الشباب، إلا أن هذا التوجه نحو الإخراج فقط ليس بالأمر الإيجابي؛ فالتخصص في المجال الصحيح أمر مطلوب.

كما أن التخصص الأكاديمي أمر بالغ الأهمية، فالمعلمون ينقلون خبراتهم وتجاربهم لهؤلاء الشباب ويوجهونهم بالطريقة الصحيحة، كما يساعدونهم في تحديد المجالات التي تناسبهم بشكل أفضل.

الجيل الجديد عنيد في آرائه، ولا يستمع إلى النصح بسهولة ممن هم أكثر منهم خبرة. المهرجانات جذابة وتؤثر بشكل أو بآخر في إيجاد هؤلاء المخرجين الشباب، والجوائز والدعم المادي لإنتاج الأفلام يشكلان مغريات جذابة للغالبية، كما أن لمعان هذه الأسماء الشابة يجعلهم يطمحون للحصول على لقب المخرج بلا شك.

فهم مغلوط

مسعود أمر الله، المدير التنفيذي لمهرجان الخليج السينمائي، يجد أن هناك فهماً خاطئاً للأدوار التي يؤديها فريق عمل الفيلم السينمائي المحلي، يقول: صناعة السينما تختلف عن باقي أنواع الفن بأنها عمل جماعي، فالرسام يرسم وحده، وكذلك الشاعر يكتب قصيدته، وتنسب إليه، بينما العمل السينمائي عمل فريق، تماماً كالأوركسترا الجماعية، فإذا لم يوجد مصور أو فني صوت أو إضاءة مثلاً لن يوجد فيلم.

لكن العرف جعل الفيلم ينسب إلى المخرج، وكذلك المحيطين بعالم السينما يعتنون بالمخرجين بوجه خاص مما جعل الشباب يسلكون أسهل الطرق إلى النجومية من خلال ممارسة دور المخرج. أعتقد أنه لو تعرف كل موهوب إلى قدراته الحقيقية، وأبدع فيها، فإنه سيحقق إنجازاً مهماً، خصوصاً أن المخرج ينتج فيلماً أو اثنين خلال العام، بينما يستطيع فني الصوت مثلاً أن يشارك في 15 عملاً خلال العام، وهو حضور جيد بالتأكيد.

الحركة السينمائية في الإمارات ظهرت بشكل عشوائي وليس أكاديمياً، لكن لو كان هناك تخصص لما تحول مدير التصوير إلى مخرج ولا فني الصوت كذلك. الرغبة في الوجود والظهور هما سيدا الموقف وهما من يدفعان بالشباب إلى هذا الاتجاه بشكل رئيسي، بينما الحقيقة هي أن الإخراج هو أصعب العمليات السينمائية.

دبي- أمينة الجسمي