«ساعات أصلية وشوكولاتة لذيذة»، هما أول ما يتبادر إلى ذهن المحلّق إلى سويسرا، ولا عجب في ذلك؛ فجنيف مقصد الباحثين عن العلامات التجارية الأصلية، ولا تكاد تخلو قمة أي من مبانيها التاريخية من لوحة تحمل شعار إحدى العلامات المعروفة عالمياً لاسيما الساعات الأصلية المختومة بختم (امَمًّف) باهظ الثمن.

أما الشوكولاتة اللذيذة فهي حاضرة أينما حل الزائر؛ فتنتشر متاجرها في كل مكان، ويتفنن السويسريون في عرضها وتصميمها وتغليفها كعادتهم، فالجمال والإبداع في التصميم ميزة الشعب الذي يبدو متأنقاً في أغلب الأحيان. «الحواس الخمس» تجول في ربوع هذه المدينة الساحرة، ومتحفها العريق (باتيك فيليب) وشاهد إرثاً وتراثاً لا يقدر بثمن.المباني التاريخية والشوارع المرصوفة بالحجارة تشكل مع جو جنيف المعتدل صيفاً ممتعاً للزيارة، خصوصاً أن حضارتها الغنية تمتد إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة مضت، كما أنها تحتضن الكثير من المنظمات والمؤسسات الدولية المهمة. سويسرا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تخصص بعض طرقها لتكون خالية من أية وسيلة مواصلات لتناسب رياضات المشي وركوب الدراجات الهوائية وألواح التزلج، وتمتد هذه الشبكة في جميع شوارعها البالغة 20 ألف كيلو متر، فيجد سكانها والزوار مساحة كبيرة من المشي وحرية التنقل الصحي.

متحف (باتيك فيليب)

خمسة آلاف عام على تطور صناعة الساعات حول العالم تركت أروع قطعها الفريدة في متحف (باتيك فيليب) للساعات، ويمكن للزائر أن يطّلع على التطور الزمني الذي مرت به الساعات بشتى أنواعها بمرافقة الدليل الذي يأخذه في جولة تعريفية عبر طوابقه الأربعة شارحاً تاريخ كل مجموعة. فبعد مشاهدة الفيلم التقديمي (إرث العباقرة) في الطابق الأرضي يستطيع الزائر الاطلاع على ورشة العمل النموذجية التي تجسد مراحل العمل الأولى التي عمل فيها صناع الساعات القدماء وأدواتهم التي استخدموها آنذاك.

الطابق الثالث من المتحف يمثل مساحات من الأرشفة والتوثيق لتاريخ الساعات العالمية عبر الوثائق المعروضة والمكتبة القيّمة المخصصة، وهنا يستطيع الزائر أن يستكمل ما شاهده في الطابق الأرضي عبر الفيلم المعروض حول علم قياس الزمن، بينما يقدم الطابق الثاني المجموعات الأثرية من الساعات، وأقدم الساعات السويسرية والأوروبية خلال الفترة الزمنية من القرن السادس عشر وحتى التاسع عشر، والقطع النفيسة من الساعات الموسيقية والطيور المغردة.

كما تضم مجموعات القطع الفنية المرسومة باليد للشخصيات العالمية والصور المنسوخة منذ العام 1630 حتى منتصف القرن التاسع عشر، أما الطابق الأول من المتحف فمخصص لساعات (باتيك فيليب) والتطور الزمني الذي مرت به هذه العلامة التجارية المهمة في عالم الساعات السويسرية.

مجموعات فريدة

مرت الساعات قبل التفافها حول معصم اليد بتجارب عدة، فشكّلت بذلك تاريخاً جميلاً صنفه متحف (باتيك فيليب) إلى مجموعات حسب النوع والزمن الذي تعود إليه هذه الصناعات. ففي العام 1770 طور الصنّاع السويسريون نوعاً مذهلاً من القطع الفنيّة، وهي ساعات الطيور المغرّدة أو الموسيقية، وهي عبارة عن لوحات أو مجسمات للطيور ترافق دقاتها تغريد وأنغام موسيقية تدل على التوقيت، هذا النوع من الفن المدرج تحت تصنيع الساعات لاقى رواجاً كبيراً في الأسواق السويسرية والصينية بشكل خاص آنذاك.

أساليب مختلفة

تضم مجموعات المتحف أيضاً أنواعاً مختلفة من الساعات التي أبدع مصمموها في ابتكار طرق ارتدائها خلال تلك العصور، فهناك مجموعات ترتدى حول العنق للرجال والنساء أيضاً، وتلك التي تتدلى من حزام الخصر، وكذلك التي تشبك بدبوس في الملابس، ومجموعات الخواتم والأساور وعلاقات المفاتيح وساعات الجيب، وغيرها من التصاميم المبتكرة.

مصنع (باتيك فيليب)

بالدخول إلى عالم مصنع (باتيك فيليب) للساعات عبر بوابته العصرية غريبة الشكل يتسلم المرشد مهامه الإرشادية فيقود الزائر إلى غرفة عرض فيلم قصة الأسطورة (باتيك فيلب) شارحاً كيفية تركيب الأجزاء الدقيقة لهذه الساعات بكل عناية، فيخرج المتفرج مقتنعاً بخصوصية هذه التصاميم وحرفية مصمميها وصانعيها، ويتفهم أسباب ارتفاع أسعارها، وتصنيفها ضمن ساعات النخبة.

أنطوان باتيك وجان فيليب هما مؤسسا هذه الدار السويسرية عام 1839، حيث لاتزال تتبع تقاليدها العريقة في تصميم وصناعة ساعاتها معتمدة على خبراتها التي تتفرد فيها، كما تمتلك عدداً يزيد على الثمانين من براءات الاختراع المسجلة باسمها. ويبلغ إجمالي عدد موظفيها 1300 موظف، مائتان منهم هم من الفنيين المختصين في صناعة الساعات.

وتوزع الشركة ساعاتها على شركاتها في 70 دولة حول العالم. والجدير بالذكر أن كل ساعة من هذه الساعات تستغرق في تصنيعها 600 ساعة عمل كي تكون جاهزة للارتداء. بول بوكلين هو من أقدم مصنعي الساعات الموجودين حالياً في المصنع، حيث قضى ما يزيد على 36 عاماً في هذه المهنة ولا يزال متمسكاً بقدراته المتميزة في التصميم ودقة التصنيع، ويستعرض بول الساعات القديمة والنفيسة التي بحوزته عارضاً قطعها الصغيرة الداخلية، ودقات بعضها الآخر الموسيقية، بينما استعرض في النهاية تصاميم 2009 الأوتوماتيكية.

استقبال دافئ

حراس ورجال أمن يقفون أمام صالة عرض (باتيك فيليب)، لا عجب في ذلك فبداخلها قطع ثمينة تقدر قيمتها بملايين الفرنكات السويسرية. بدخول الصالون يلقى الزائر شتى أنواع الحفاوة، فالعلاقات الاجتماعية وكسب الزبائن هو أهم ما تسعى إليه هذه الدار، لاسيما وأن غالبية زبائنهم من الطبقات المخملية، حتى أولئك الساعين إلى الانتماء إلى تلك الطبقات الغنية يجدون في هذا الاستقبال الدافئ لذة لا تضاهى.

داخل الصالون ثريا عملاقة تتوسط صالة العرض المكون من خمسة طوابق، تزين جدرانه التاريخية نقوش تحافظ الدار على استمرارها بطرازها العتيق دلالة على الأصالة، حتى إن أدراج العرض الجداريّة التي كانت تستخدم في السنوات السابقة لاتزال في مكانها بالرغم من خلوها من الساعات، فالحياة لم تعد بالمقاييس القديمة نفسها من البساطة والأمن.

وتتيح هذه الصالة للزائر فرصة الاطلاع على التصاميم الجديدة من الساعات، إضافة إلى تمكنه من فحصها والتعرف إلى كيفية استخدامها، وأهم مميزاتها في جو من الهدوء والترف. أما الطابق الخامس من الصالون فهو مخصص لزبائن (باتيك فيليب) الباحثين عن الهدوء أو التحاور في مكان راقٍ متخم بالحفاوة، وتطل نوافذ هذا القسم على مدينة جنيف من الأعلى عارضةً وجهها الساحر ونافورتها التاريخية التي تتوسط بحيرتها الشهيرة.

جنيف - أمينة الجسمي