يعد العام 1958 علامة فارقة في حياة الفنانين العراقيين، حميد البصري وشوقية العطار، ذلك العام الذي بدأ فيه أول تعارف بينهما، فكان لقاء الفن والحب والحياة، فشوقية بصوتها العذب الذي يتذكره كثيرٌ من العراقيين من أبناء جيلها- على الرغم من ابتعادها عن العراق لسنواتٍ طويلةـ وحميد البصري، سليل الموسيقى ونجل المعلم خلف البصري، صاحب فرقة التواشيح والإنشاد المتخصصة في غناء بدائع القصائد الصوفية من المقامات الموسيقية العراقية بما يمتلكه من موهبة موسيقية متفرداً، استطاعا أن يشكلا ثنائياً متلاحماً على مستوى الحب والفن والحياة.
فصدحت شوقية بأغنياتها، وكانت أغنية (يا عشقنا) التي لحنها حميد البصري وغنتها شوقية مع الفنان فؤاد سالم عام 1959، بذرة لفرقة موسيقية جادة قدمت الفن العراقي الأصيل على الرغم من ظروف الغربة والمنفى.وفرقة البصري الموجودة حالياً في هولندا هي نتاج لسنوات طويلة من العمل والإبداع، حيث استضافت دائرة الثقافة والإعلام بعجمان الفرقة خلال ملتقى الثقافة والفكر، فجاءت مشاركتهم لتثري الحوار الموسيقي العربي، وليستمتع الجمهور بالغناء العراقي الأصيل.الحواس الخمس تابع نجاحات تلك الفرقة، التي تنقلت بين بلدان عربية عدة إلى أن استقرت في هولندا لتلفت انتباه الأوروبيين إلى الموسيقى العربية الكلاسيكية، فقد تحدث حميد البصري، قائد ومؤسس الفرقة عن أعضاء فرقته قائلاً: فرقة البصري فرقة عائلية.
بدأ تعاوني مع الفنانة شوقية العطار قبل زواجنا بثلاثة أعوام، وحين أسسنا الفرقة للمرة الأولى عام 1976 كان اسمها جماعة (تموز الجديدة)، وكان معنا فنانون عراقيون، لكن ظروف الخروج من العراق في ذلك الوقت جعلتنا نبتعد عن أعضاء الفرقة لنبدأ بتكوين فرقة أخرى أسميناها (الطريق)، وبدأنا نشاطنا في اليمن، حيث قدمنا أغاني وطنية سجلت في التلفزيون اليمني، ثم شاركنا في بيروت، وقدمنا أغنياتنا للمقاومة اللبنانية والفلسطينية، وكانت محطتنا اللاحقة في سوريا فشاركنا في حفلات كثيرة، وحققنا انتشاراً كبيراً على مستوى العالم العربي، وفي هذه المرحلة كبر أولادنا وتوجهوا نحو دراسة الموسيقى ليكون سفرنا نحو هولندا تجربة جديدة في تقديم فرقة عائلية معظم فنانيها من أسرة واحدة.
ورداً على سؤال حول ما إذا كان هذا الأمر انعكس إيجاباً أم سلباً على فناني الفرقة، وهل جرب مشاركة فنانين آخرين، يقول البصري: كان السفر وعدم الاستقرار في بلد واحد هو المانع من تواصل مشاركة فنانين آخرين مع الفرقة، وعمل أبنائي في الفرقة لا يعني احتكارهم، فكل منهم له اهتماماته وأعماله الفنية المنفصلة، لكن رغبتنا في تقديم الموسيقى العراقية الكلاسيكية هي التي جعلتنا نتعاون من أجل تكوين الفرقة، واليوم يشارك معنا في الفرقة موسيقي عراقي موهوب هو الفنان ستار الساعدي، له أعمال إيقاعية مميزة، إضافة إلى براعته في العزف على الناي وصناعته.
حميد البصري له مجموعة متميزة من البحوث الموسيقية والتي أوصلته إلى مراحل متقدمة من الإبداع، وقد ابتكر مقامات عدة أضافها إلى المقامات الموسيقية العربية، يقول: المقام الذي ابتكرته هو مقام الراست البصري، وألفت فيه مقطوعات سماعية، وموشحات، ولحنت منه قصيدة (يادجلة الخير) للجواهري، وهو مقام عربي موسيقي أصيل لا لبس فيه، أما بحوثي ودراستي فقد كانت نتيجة دراسات مستفيضة للموسيقى العربية .
واكتشاف المغالطات التي وقع فيها بعض الموسيقيين العرب، وقد حاولت تقديم الثقافة الموسيقية العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص، حيث ألفت كتباً عدة منها (أغان شعبية عراقية/ 100 أغنية نصوص ونوتات) و(قراءة وكتابة الموسيقى العربية) و(تمارين لآلة القانون) و(تاريخ وتذوق الموسيقى العربية البحوث الموسيقية) و(سلالم الموسيقى العربية وأجناسها).
حميد البصري زرع حب الموسيقى في أولاده، ويرى أن الجو الموسيقي الأسري الذي يعيش فيه الأولاد ساعد في توجيه ميولهم نحو الموسيقى، يقول: لست وحدي من أسهم في هذا الأمر، فحين يكون الجو الأسري بكامله موسيقياً لابد أن يتأثر الأبناء، وقد رزقنا أنا وشوقية بأربعة أبناء، ثلاثة أولاد وبنت، وقد تبلورت توجهاتهم نحو الفن من دون أن نضغط عليهم.
وقد تخصص ابني الكبير نديم في عزف الكمان والفيولا، ومثله رعد الذي تخصص في الموسيقى، بينما توجه سامر نحو الإخراج المسرح الغنائي، ودرس فن الجرافيك في لاهاي، بينما كانت بيدر وريثة أمها في الصوت الجميل، ودرست الغناء الأوبرالي لأكثر من ثمان سنوات، وتشارك مع فرق الأوركسترا السيمفونية الهولندية في فعالياتها، علماً أن أحفادنا مهتمون بالموسيقى، وهو أمر طبيعي لأن البيئة المحيطة توفر هذه الأجواء.
هولندا والإقامة فيها وفرت لآل البصري الاستقرار، الأمر الذي أسهم في إتقان فن الموسيقى وتعريف الجمهور الهولندي بالموسيقى العربية، يقول حميد: في هولندا توفر لنا الاستقرار، ما جعل التركيز على الموسيقى أكثر فعالية. الجمهور الأوروبي يتذوق الموسيقى ويرغب بالتعرف إليها لذا كان فرصة لنا لتعريف الغرب بموسيقانا العربية.
دبي - دلال جويد


