رغم مرور أكثر من 60 عاماً على انطلاق جوائز «إيمي» الأميركية وأقل من ذلك بقليل على انطلاق نسختها الدولية، التي تعتبر الأخت الصغرى لجوائز «الأوسكار» .

كما يعبر الأميركيون - باعتبارها تمنح لأفضل الأعمال التلفزيونية من مسلسلات وبرامج وأفلام وثائقية من مختلف دول العالم؛ ورغم وجود مئات المحطات الفضائية العربية وشركات الإنتاج الفني والمدن الإعلامية ومدن الاستوديوهات. رغم كل ذلك ظل الحضور العربي هزيلاً في هذه الجوائز المهمة، ولم يكسر هذا الخمول العربي سوى فوز المسلسل الأردني «الاجتياح» بالجائزة العام الفائت، فهل ستبقى هذه الجائزة يتيمة ووحيدة في سجل الإنتاج العربي، هذا ما حاولنا معرفته في هذه الحوارية مع لجنة تحكيم النصف نهائي لجوائز «إيمي» التي عقدت الأسبوع الماضي في أبو ظبي، وتعتبر هذه الاستضافة الأولى من نوعها إماراتياً وخليجياً.

يرى طريف سيد صاحب شركة «فريم» للإنتاج الفني المستضيفة للحدث وسفير الأكاديمية الدولية لعلوم وفنون التلفزيون المشرفة على جوائز «إيمي»؛ أن الغياب العربي لا يقتصر على جوائز «إيمي» بل في العديد من المحافل الفنية والسينمائية والثقافية.

ويضيف: لقد كان الإنتاج التلفزيوني العربي لغاية بداية الألفية ضعيفاً من عدة نواح تتعلق بجودة التقنية المستخدمة في تنفيذها؛ إلا أن هذا الإنتاج تطور أكثر في السنوات الأخيرة، غير أن شركات الإنتاج الخاصة والمؤسسات الإنتاجية الكبرى المدعومة حكومياً لا تعرف الطريق للترويج لنفسها دولياً، ويعود ذلك لعدة لأسباب عدة لعل من أبرزها هو وجود أناس غير أكفاء لقيادتها وإدارتها، والهوس الكبير بالأسماء الغربية التي ثبت فشلها في الغرب فوجدت تقديراً ومكانة خيالية في العالم العربي في إدارة المؤسسات الإعلامية والفنية والإنتاجية العربية.

وهي عقدة يعرفها القريبون من المجال الإعلامي والفني ـ عقدة التفوق الأجنبي ـ وكأن جميع من يأتي من الغرب يحمل معه الخبرة والكفاءة وهناك العشرات من المبدعين في العالم العربي لم يحظوا بربع فرص الأسماء الغربية الفاشلة التي تدير مؤسساتنا.

اختير طريف سيد عضواً في لجنة التحكيم الرئيسية لجوائز «إيمي» في أميركا العام الماضي؛ وهو العام الذي شهد حصول العرب على الجائزة الأولى لهم في هذا المحفل عبر مسلسل «الاجتياح» الأردني، حول طبيعة الأعمال العربية التي شاركت آنذاك والبرامج العربية المنسوخة عن البرامج الغربية يقول طريف: إن نظرية المؤامرة التي تحكم العقل العربي في التعامل مع الآخر ـ حتى في الإطار الفني أو الثقافي ـ جعلت التمثيل العربي في المحافل الفنية الكبرى ضعيفاً جداً، وبالإشارة إلى مصداقية وعدالة جوائز «إيمي» فقد فاز مسلسل «الاجتياح» .

وهو يتحدث عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي من وجهة نظر عربية في عقر دار الولايات المتحدة ولم ينظر المحكمون الذين كنت أحدهم إلى الفلسفة السياسية للمسلسل بقدر ما كانوا يهتمون بكيفية تنفيذ العمل وجوانبه الفنية، أما في منافسات نصف النهائي لجوائز «إيمي» التي عقدت في أبوظبي فقد شاركت فيها 70 دولة شكّل الإنتاج العربي منها 15% بما يقارب من 100 إنتاج تقدمت بها شركات الإنتاج والمحطات العربية، وأعتقد أن فرصة العرب باتت أكبر من السابق في التنافس على الجوائز، بفضل هذه التجربة التي أتت بجوائز «إيمي» إلى الأرض العربية في الإمارات.

وختم طريف سيد حديثه بانتقاد بعض المؤسسات الإعلامية الإماراتية التي تنتج برامجها وتصورها خارج الدولة بحجة أنها تنفذ بجودة عالية، ورغم أن شركته «ذا فريم» حديثة العهد في مجال الإنتاج إلا أنها أطلقت مبادرة لدعم الإنتاج المحلي في مجال الأفلام الوثائقية سواء كان منفذها إماراتيا أو عربيا مقيما في الدولة، وتقدر قيمة المبادرة بنصف مليون درهم إماراتي، ورفض سيد في الوقت ذاته وجود راعٍ أو داعم تجاري للمبادرة لأنه وكما يقول سيتحكم بطبيعة الإنتاج.

من الأسماء الإماراتية التي شاركت في تحكيم نصف نهائي الجوائز في مجال الأفلام الوثائقية؛ جمال الشريف مدير مدينة دبي للاستوديوهات، وبثينة كاظم مديرة قناة «نور دبي»، ومحمد الملا رئيس «ديجتال ميديا» في شركة اتصالات، وقد عبر الجميع عن سعادتهم لهذه الخطوة المهمة في عالم الإنتاج التلفزيوني، يقول جمال الشريف: لقد وجدتها فرصة كبيرة للاطلاع على إنتاج العالم والمنطقة في مجال التلفزيون والأفلام الوثائقية والبرامج، وأعتقد أن تقصير العرب في الحضور في مثل هذه المحافل واضح للعيان.

وأعتقد أن الضعف في البرامج والمسلسلات والأفلام الوثائقية العربية يكمن في نصوصها والسيناريوهات المنفذة بها لأنها تعيد إنتاج نفسها وتكرار ذاتها كل سنة، إلا ما ندر، وأعتقد أن وجود «اتحاد للمنتجين في الإمارات» سيغير من معادلة الإنتاج التلفزيوني لدينا، ورغم كل العقبات الإنتاجية فقد شاهدتُ مجموعة أفلام وثائقية عربية بغاية القوة وأقول نعم أنها قادرة على التنافس.

من ناحيتها قالت بثينة كاظم أن هناك طرفين في معادلة ضعف المشاركة العربية في المهرجانات العالمية والجوائز الدولية ومنها «إيمي» يكمن أولها بقلّة الترويج للجوائز والمهرجانات ذاتها في المنطقة العربية، والثاني بضعف الترويج للإنتاج العربي في المحافل الفنية الدولية من قبل المؤسسات العربية المعنية.

وقد شاهدتُ أفلاماً من دول مجاورة في آسيا وأفريقياً ذات جودة عالية ومدعومة من قبل الشركات الكبرى والمؤسسات الحكومية في تلك الدول وهو ما تفتقر إليه برامجنا وأفلامنا ومسلسلاتنا، ورغم ذلك فأن الإنتاج العربي ومنذ 6 سنوات مضت بدأ بالحراك والتفوق تقنياً في مجال الصورة والصوت وجميع التقنيات المستخدمة إلا أن بعض المواضيع ظل منسوخاً عن البرامج الغربية رغم غزارة المواضيع المتوفرة لدينا عربياً.

وتضيف بثينة كاظم أن المفارقة فيما يتعلق بالإنتاج التلفزيوني العربي وأتحدث هنا تحديداً عن الأفلام الوثائقية هي أن منطقتنا العربية هي منطقة أحداث كبرى ومنطقة ساخنة سياسياً وذات عمق تاريخي وتراثي واجتماعي،.

ورغم ذلك فإننا كعرب أقل الناس التفاتاً وتقديراً لما هو موجود لدينا من كنوز يمكن أن تنتج عنها مئات بل آلاف الأفلام الوثائقية، ومن المضحك ـ المبكي في هذه الحالة، هو حصاد الشركات الإنتاجية الغربية والآسيوية لمئات الجوائز سنوياً عبر تسجيلها لأفلام وبرامج تتحدث عن منطقتنا بوجه الخصوص.

وأرى من الضروري أن نلتفت إلى ما لدينا وبناء برامج ومسلسلات وأفلام وثائقية تنقل صورتنا الحقيقية للعالم والتي شوهتها بعض الجهات في الغرب وغيره من مناطق العالم، ولا نستطيع في هذا المجال إلا لوم أنفسنا لأن الآخر حر بما يفعل، ولدينا الإمكانيات البشرية والمادية لإنتاج الأفضل وعدم انتظار الحلول من الغير للترويج لمنطقتنا، ويجب أن تراعي المؤسسات الإنتاجية العربية ذلك.

أما محمد الملا فقد قارن بين الإنتاج الآسيوي والعربي في هذا المجال، وأشار إلى أن الإمارات بما تمتلكه من مقومات ناجحة، يمكن أن تجذب الإنتاج العربي وتكون واحدة من أهم الدول في المنطقة، إلا أن من الظلم ـ والحديث للملا ـ المقارنة بين إنتاج تلفزيوني لدول قريبة العهد بهذا النوع من الإنتاج ودول شارفت على «القرن» زمانياً، وأضاف: لقد تابعتُ أفلاماً وثائقية لفضائيات عربية تقدمت للمنافسة، وأعتقد أنها قادرة الوصول إلى أبعد نقطة في العالم إلا أن ما ينقصها هو التسويق والترويج الجيد.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري