كوشة وزغاريد ومأذون وشربات ونقوط وصباحية، طقوس تتميز بها أفراح المصريين، وتتحكم في هذه الطقوس عوالم وظروف بيئية متباينة، فأفراح أهل الحضر تختلف عن البدو، ومدن الساحل الشمالية لا تطبق نفس عادات الصعيد في الجنوب، ولكن دائما هناك قواسم مشتركة بينهم جميعا، رسختها عادات فرعونية متوارثة منذ آلاف السنين؛ فتعالوا نبحر سويا بعين الحاضر والتاريخ لنرى كيف ولدت عادات الأفراح المصرية من رحم العصور الغابرة.

أول مراحل الزواج تبدأ عندما يتقدم الشاب إلى أهل الفتاة، ويطلب يدها للزواج، وعندما تتم الموافقة، يتفق أهل العروسين على تجهيز عش الزوجية، فالرجل عليه أن يوفر مكان المعيشة وأثاث المنزل، بينما في الغالب يتكفل أهل العروس بتجهيز المطبخ وأدواته والأجهزة الكهربائية، وتكون هذه التجهيزات حسب مقدرة كلا الطرفين.تقسيم مهام إعداد عش الزوجية يترتب عليه موعد الخطوبة، وبالتالي ذهاب العروسين إلى «الجواهرجي» في صحبة الأهل كي تختار العروس دبلتها إلى جانب قطعة أو قطعتين من الخواتم الذهبية، ويقوم العريس بكبس «الدبلة» في خنصر اليد اليمنى لعروسه،.

وتقوم هي بوضع دبلته في يمناه وتنطلق الزغاريد من حناجر النساء، ويبدأ الرقص والغناء ويتعهد العروسان بعدم خلع «الدبل» من أيديهما إلا عندما تنتقل إلى اليد اليسرى يوم الزفاف.

ولبس «الدبل» عادة فرعونية أصيلة، كما يشير د.سيد كريم مؤلف موسوعة «لغز الحضارة المصرية» حيث يقول: «إن أفراح المصريين القدماء كانت تبدأ بهذا التقليد وضع «الدبل» في اليد اليمنى، وكانت تسمى ب«حلقة البعث»، وتدل على دوام العشرة والإخلاص، وكانت أيضا تصنع من الذهب، وتوضع في اليد اليمنى في فترة الخطوبة، ثم تنقل إلى اليسرى بعد الزواج، كما يحدث الآن تماما».

جهاز العروسين

بعد إتمام الخطوبة وتحديد موعد الزواج بعد فترة يستطيع خلالها العروسان تجهيز متطلبات الزواج، يبدأ الطرفان في شراء جهاز العروسين، وعادة ما يتم ذلك بالتنسيق بينهما، فلا بد أن يتشاركا في اختيار أثاث المنزل، وألوان الستائر والسجاجيد، وحتى ألوان جدران عش الزوجية، وغالبًا ما يتم شراء الموبيليا من «دمياط» المدينة الأشهر في صناعتها، كما أن الأسعار بها أقل بكثير من أسعار المعارض الموجودة في المدن الأخرى، لاسيما القاهرة.

أما الأشياء الرفيعة ومستلزمات الأفراح؛ فغالبا ما يشتريها العروسان من منطقة «درب البرابرة»، وهو مكان يتجمع فيه كل ما يتطلبه الزواج، فضلاً عن أسعاره التي لا تقارن بنفس البضائع المعروضة في الأماكن الأخرى.

ولنشأة سوق «درب البرابرة» أكثر من رواية تاريخية إحداها تقول إن هذه المنطقة منسوبة إلى قبائل البربر سكان شمال أفريقيا وبلاد المغرب، والتي جاءت إلى مصر مع جوهر الصقلي أثناء فتح القاهرة، واتخذوا هذا المكان محلاً لإقامتهم، ومع مرور الوقت تحولت إلى سوق خاصة لبضائع الزواج.

ورواية أخرى تقول إن جماعة من البربر جاءت إلى القاهرة للعمل كخدم لدى «الباشوات» أثناء حكم محمد علي باشا الكبير في بداية القرن التاسع عشر، ونظرا لتعايشهم في شكل مجتمع صغير كانت إقامتهم في «درب البرابرة» الذي أخذ منها هذا الاسم، وبعيدا عن الأصل التاريخي للمسمى فإن سوق مستلزمات الزواج ذات أصول فرعونية، فالقدماء المصريون كانوا قد عرفوا السوق المتخصصة، وكانت سوق «الرباط المقدس» أو الزواج هي أهم وأشهر تلك الأسواق.

ولاستكمال مراحل الزواج، يتم قبيل الزفاف نقل جهاز العروس من منزل أبيها إلى منزلها الجديد لدى الزوج، أو يتم ذلك في العلن، ودائمًا ما ينقل على أكتاف الرجال ورؤوس السيدات مصحوبًا بزفة وغناء ليرى الناس مدى قيام والد العروس بتجهيز ابنته، كما يعد هذا العمل إعلانًا عن قائمة «العفش» الخاصة بالعروس، وقد تأصلت هذه العادة - الفرجة على جهاز العروس - منذ العصر «الطولوني» بعد أن نقل جهاز الأميرة «قطر الندى» ابنة «خماروية» إلى عريسها خليفة بغداد، واستمرت عملية النقل قرابة 6 أشهر.

عقد القران

عادة ما يتم عقد القران في يوم الزفاف، ولكن هناك من يفضلون أن يعقدوه قبيل ذلك بأسابيع.. يأتي المأذون في جلبابه الشهير «الجبة والقفطان»، ومعه دفتر العقود، ويحرر العقد بحضور العريس، ووكيل عن العروس واثنين من الشهود، ويحرر المأذون العقد من ثلاث نسخ يحتفظ العريس بواحدة، وأهل العروس بأخرى، والثالثة تظل مدونة لدى المأذون، ويدونون في العقد قيمة الصداق أو «المهر» المتفق عليه، والذي يتفاوت حسب الإمكانات المادية للعريس.

وما أشبه اليوم بالبارحة نقصد بالعصور الغابرة، حيث يؤكد لنا د.صلاح الراوي أستاذ الأدب الشعبي أن المأذون كان موجودًا عند القدماء المصريين، وهو ذلك الشخص الذي يأذن له المعبد بعقد رباط الحياة الزوجية المقدس بين العروسين، وكان العقد أيضًا يتكون من ثلاث نسخ توزع كما يحدث الآن تمامًا، كما أن الفراعنة حرصوا عند تحرير العقد على اشتماله على التاريخ باليوم والشهر والفصل والحقبة واسم حاكم البلاد، وحرصوا أيضا على أن يدونوا فيه قيمة المهر وكان عبارة عن قطعة أو قطع من الفضة، إلى جانب زكائب من القمح.

ليلة الحنة

ليلة الحنة هي أشهر مواكب احتفاليات الزواج في مصر، وهي الليلة التي تسبق ليلة الزفاف، وفيها يقوم أهل العريس والأصدقاء بعمل معجون من الحناء، ويضعونه في «صينية» كبيرة تحاط جوانبها بالشموع، ويدورون بها على بيوت الأهل والأقارب وفي شوارع الحي حتى بزوغ الفجر.

والحنة السويسي هي الأشهر من بين مواكب الحنة في مصر، وهي منسوبة إلى مدينة السويس حيث نشأت، وانتشرت في المحافظات والمدن الأخرى أثناء فترة التهجير بعد نكسة عام 1967، وأهم ما يميزها هي آلة «السمسمية» التي يتغنى ويتراقص عليها الكبير والصغير، لأن أنغام تلك الآلة الموسيقية تتسم بالبهجة، وسرعة الإيقاع مما يجعلها مناسبة جدًا للمناسبات السعيدة.

وفي ليلة الحنة تزين العروس قدميها وكفيها بمعجون الحناء، إلا في بلاد النوبة في أقصى جنوب مصر، فهناك يحنون كل جسد المرأة ليلة العرس، معتقدين أن بذلك يتم تطهيره، وهو معتقد فرعوني، حسب تأكيدات علماء المصريات.

ليلة الزفاف

ليلة الزفاف أو «ليلة الدخلة» ـ كما يحلو للمصريين ـ هي أول أيام زواج العروسين؛ ولذا يطلق عليها «ليلة العمر»؛ ففيها تنطلق رحلة العشرة والألفة والتي تدوم إلى ما يشاء الله من السنين، ويقام فيها حفل بهيج يبذل فيه الأهل والخلان أقصى جهد ليصلوا بهذه الليلة إلى أعلى مراتب الفرحة ففي ساحة العرس تتعالى الزغاريد في كل مكان، وفي المطبخ تتسابق النسوة لإعداد «الوليمة» الكبرى التي يدعى إليها الأحباب والجيران والأهل والأصدقاء.

وتتجمل «الكوشة» التي يجلس بها العروسان بالزهور والورود البيضاء والحمراء والصفراء، وهذه الكوشة لا تختلف عن تلك التي كان يزينها الفراعنة بزهر الياسمين كما أكد د.أحمد مرسي أستاذ الأدب الشعبي، وكان الفراعنة يطلقون عليها اسم «الكوش».

تذهب العروس غالبًا إلى «الكوافير» لتتزين وتتجمل لعريسها في ليلة العمر تماما مثل ملكات الفراعنة والنساء الأثرياء في المناسبات عندما يلجأن لمصففات لفرد الشعر وتدريجه، ويذهب العريس ليأخذها إلى «الفرح» حيث الزينة والأنوار والموسيقى والغناء والرقص والزغاريد، وهناك وأمام «المعازيم» يقدم لها «الشبكة» وكل على قدر استطاعته، وينتهي الفرح بزفة مهيبة، ويدخل العروسان إلى القفص الذهبي.

الصباحية

هي اليوم التالي للزفاف، ويقوم الأهل بتحميل المؤن والكعك و«البسكويت» ويذهبون إلى العروسين حاملين تلك الأغذية مما لذ وطاب في «أسبته» مصنوعة من الخوص تغطيها «البشاكير» البيضاء، ويهنون ويباركون بإعطاء العروسين مبلغًا من المال يسمى «نقوطًا»، ويعد هذا النقوط بمثابة الدين الذي يرد في مناسبات الفرح، وللصباحية أيضًا أصل فرعوني حيث أكد باحث فرنسي قيام أهل العروس الفرعونية بزيارة ابنتهم صباحية يوم الزفاف للاطمئنان على أحوالها وإعطائها وزوجها المؤن، فتأصلت تلك العادة وتوارثناها شأنها شأن عادات الزواج المصري الحديث الأخرى التي تكاد تتطابق مع العادات الفرعونية.

القاهرة - دار الإعلام العربية