تمكن الإنشاد الديني، الذي كان يتميز بلحن غالباً ما يكون شجياً وعذباً تطرب لسماعه الآذان ويقشعر له البدن، وكلمات متناغمة ومؤثرة، وفنانين يظهرون بوجوه ملائكية وعيون دامعة خاشعة وملابس بيضاء فضفاضة، من الدخول إلى قلوب وعقول المستمعين والمشاهدين، وتحول مطربوه إلى أسطورة جميلة يرددها المعجبون.«الحواس الخمس» أصغى لهذا الكروان الجميل ووقف أمام تطوراته وأهم من أسهم فيه.

للإنشاد الديني قصة تؤكدها كتب التراث بأن بدايته كانت بداية الأذان، مع بلال بن رباح، مؤذن الرسول، كل يوم خمس مرات، ترتيلاً حسناً بصوت جميل جذاب، من هنا جاءت فكرة الأصوات الندية في التغني بالأشعار الإسلامية، ثم تطور الأمر على أيدي المؤذنين في مصر والشام والعراق وغيرها من البلدان، وأصبح له قوالب متعددة وطرائق شتى. وتؤكد كتب التراث الإسلامي أن بداية الإنشاد الديني كان على أيدي مجموعة من الصحابة في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، ثم مجموعة من التابعين، وكانت قصائد حسان بن ثابت، شاعر الرسول، الأساس للمنشدين، ثم تغنوا بقصائد لغيره من الشعراء الذين كتبوا في موضوعات متنوعة، منها الدعوة إلى عبادة الله الواحد، التمسك بالقيم الإسلامية وأداء الفرائض من صلاة وزكاة وحج وغير ذلك.

الكروان الرباني بدأت شهرة الشيخ سيد النقشبندي وعرفته الإذاعات الدينية والعربية، خلال إحيائه الليلة الختامية لمولد الإمام الحسين، رضي الله عنه، وكانت بدعوة من صديقه، فلبى النقشبندي الدعوة وأقام حفلاً ترنم فيه بصوته، وشدا بمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابتهالاته الدينية المميزة في ساحة سيد الشهداء، وأدهش مستمعيه فذاع صيته وتناقلته الإذاعات عبر موجاتها. كان مدحه للرسول نبضاً سماوياً يغزو القلوب فتتفتح لمدحه كل القلوب، كان يدعو الناس على بصيرة فتقبل عليه، وصار صوته علامة بارزة في عصره ولقبه كبار الأدباء الكتاب والشعراء في مصر بالصوت الخاشع والكروان الرباني، وقيثارة السماء، وإمام المداحين، وقد وصفه الدكتور مصطفى محمود في برنامجه (العلم والإيمان) ذات مرة بأنه مثل النور الكريم الفريد الذي لم يصل إليه أحد.

ترك الشيخ النقشبندي تراثاً إسلامياً وضخماً من الابتهالات والأناشيد والموشحات الدينية، وكان قارئاً للقرآن الكريم بطريقة مختلفة عن قراء عصره ووقته، وإن كانت شهرته في مدح الرسول والابتهالات الدينية هي الصفة التي اقترنت به.

وحصل على العديد من الأوسمة والنياشين من مختلف الدول التي زارها، فلم يكن تكريمه محلياً فقط، بل دولياً وإسلامياً وقد كرمه الرئيس الراحل السادات عام 1979 فحصل على وسام الدولة من الدرجة الأولى، وفي ليلة القدر كرمه الرئيس حسني مبارك بوسام الجمهورية من الدرجة الأولى عرفاناً لما قدمه الشيخ من ابتهالات وتواشيح دينية.

المنشد الصوفي

أما المنشد الصوفي ياسين التهامي المولود في 7 ديسمبر 1949 بقرية الحواتكة بمحافظة أسيوط بصعيد مصر فهو ابن لبيئة دينية، عرفت بالتصوف والعناية بالنشيد الصوفي، وقد حفظ القرآن الكريم صغيراً، وبدأ حياته بالإنشاد الديني في الموالد والحفلات الدينية بقرى ونجوع الصعيد حتى سطع نجمه في منتصف السبعينات ليصبح نجم الإنشاد الديني الأول في مصر، خصوصاً لدى أهل الصعيد الذين أصبح ملبس وهيئة ياسين «موضة» شبابهم، وأصبحوا يعلقون صوره وألبوماته مثلما يعلق شباب المدن «صور عبد الحليم حافظ».

وامتدت شهرة ياسين خارج مصر والعالم العربي، فأحيا حفلات في لندن وباريس وغيرها من العواصم والدول الأجنبية. ويمتلك التهامي طاقة ومساحة صوتية هائلة أغرت باحثاً أميركياً مثل مايكل فروشكوف بتخصيص دراسة كاملة عن أدائه الصوتي، ودفعت المستشرق الألماني كولن إلى أن يفرد له قسماً مستقلاً في كتابه عن الموسيقى الشرقية، باعتباره مرتجلاً لنغم صوفي جديد دون تعليم أو دراسة أكاديمية.

جسر تواصل

الفنان محمد الكحلاوي لقب (مداح الرسول) أو صاحب الملحمة النبوية كما يحب أن ينادى. سلك الكحلاوي طريق العبادة والزهد وسخر الفن ليكون طريقه إلى الدعوة ونشر الفضيلة، وهو أيضاً صاحب القدرات المتعددة الذي تنوع بين الغناء البدوي والشعبي والديني وكذلك التمثيل. كان الحكلاوي يهتم بالكلمة؛ فهي، على حسب تعبيره، جسر للوصول إلى الآخرين، وكان دائماً يتدخل في كلمات أغانيه، ويشارك صاحبها كتابتها، وكان يستهل معظم أغانيه بالغناء المنفرد، ثم تدخل الموسيقى بعد ذلك، وهي الطريقة التي اتبعها معظم المغنين من أبناء جيله وحتى الآن.

ياسمين الخيام، المطربة المصرية المعتزلة، ابنة المقرئ الشهير الراحل محمود خليل الحصري، فقد احترفت الغناء ولحن لها عمالقة الفن العربي مثل الفنان محمد عبد الوهاب الذي اكتشفها ورياض السنباطي، ولمع نجمها بعد وفاة أم كلثوم، وقد اعتزلت ولبست الحجاب عام 1990 وهي الآن ترأس جمعية الحصري، وقدمت عشرات الأغاني الدينية أشهرها أم النبي، أمتك يا محمد، محمد رسول الله لا إله إلا الله.

نورت يا رمضان

كانت أم كلثوم أول من تجرأ على استخدام التخت الشرقي في الغناء الديني بالاتفاق مع محمد القصبجي، فكانت «نورت يا رمضان» أول أغنية شعبية دينية تسجل على أسطوانات بمصاحبة التخت الشرقي، وغناها محمد صادق في الحفلات الخاصة، ولاقت نجاحاً كبيراً، ما دفع السنباطي إلى تلحين أول أغنية دينية في مديح النبي «امتى نعود يا نبي» والتي فاق نجاحها أغنية «نورت يا رمضان» إذ طبع منها 200 ألف أسطوانة، في خمس سنوات.

التجربة الناجحة دفعت السنباطي ومطربه أحمد عبد القادر إلى تقديم مجموعة أغانٍ دينية جديدة، لكن بقيت «امتى نعود يا نبي» أغنية كل موسم إلى أن ظهرت أغنية «عليك صلاة الله وسلامه»، من ألحان فريد الأطرش وغناء أسمهان، وقدمت أم كلثوم نهج البردة وإلى عرفات الله، ولأحمد شوقي ولد الهدى، وأغاني فيلم رابعة العدوية 1963 «على عيني بكت عيني»، انقروا الدفوف، وقدمت شادية أغنية «خد بايدي» ثالث وآخر أغانيها الدينية التي لحنها عبد المنعم البارودي.

دبي- عبادة إبراهيم