حين التقاه «الحواس الخمس» كان مكباً على عمله في مشغله، بجانب مقهى النوفرة في دمشق القديمة، لم يعرنا انتباهه لانشغاله بالعمل، غير أن حبنا للفضول جعلنا نهم بسؤاله عن عمله، لكنه أخبرنا أنه لا يستطيع التحدث إلينا قبل التاسعة مساء، وحين عدنا كان في انتظاري.
يعمل جاد السيد بمهنة تطعيم النحاس بالفضة منذ حوالي 30 عاماً، وهي مهنة قديمة مارسها عدد من اليهود السوريين فيما مضى، لكنها اندثرت برحيل آخر مزاوليها، وقدم جاد السيد من مصر منذ العام 1994 ليعيد الحياة لهذه المهنة في سوريا، وهو يؤكد أن عمر مهنة تطعيم النحاس بالفضة في مصر يصل إلى أكثر من 1000 عام.
وعن آلية العمل يقول السيد: أقوم في البداية بشراء النحاس كقطع كبيرة، ثم أقوم بقصها حسب الشكل الذي أتصوره، ثم أقوم برسم الصورة التي أريد، ثم تبدأ عملية الحفر أو النقش على النحاس، لتأتي في النهاية عملية تطعيم النحاس بالفضة، وأعني بالتطعيم وضع قضبان الفضة ضمن تجاويف النحاس ثم تثبيتها بواسطة مطرقة خاصة، علماً أن هذا العمل في سوريا يختلف عنه في مصر، وإن تشابهت طريقة العمل، بمعنى أن النقوش التي أستخدمها هنا «المملوكي والعثماني» غير مستخدمة في مصر.
ويحاول السيد تشكيل مدرسة لهذه المهنة في سوريا من خلال تعليمها عدداً من الشباب كي لا تندثر برحيله، وهو يعتقد أنه يحاول فقط إعادة هذه المهنة إلى سابق عهدها في سوريا، وبرغم النجاح الكبير الذي حققه لم يحاول القيام بأي معرض لمنتجاته، والسبب في ذلك -كما يقول- هو أن عمله يأخذ كل وقته.
أما بالنسبة للصعوبات التي تعترضه أثناء عمله يقول السيد: الصعوبات موجودة في كل عمل، لكني أحب عملي وأستمتع أثناء القيام به، ولن تستطيع الظروف إبعادي عنه. أنا أعمل حوالي عشر ساعات في اليوم دون كلل، أما بالنسبة للشباب الذين أقوم بتعليمهم فهم يريدون الحصول على المهنة بسرعة لكسب المال، دون أن يهتموا بجمالية هذه المهنة، والجانب الإبداعي فيها.
ويبيع السيد أكثر من 95 في المئة من إنتاجه، والجانب الأكبر يذهب للسائحين الذين يحبون هذه الأشياء، ويشكل عمله مادة خصبة لعدد من وسائل الإعلام العربية والدولية، ويرد ذلك إلى أنه يقوم بمهنة نادرة لا يمارسها سوى عدة أشخاص في مصر فقط و«أنا الوحيد في سوريا، وقد تندثر هذه المهنة مثلما حصل مع مهنة تطعيم النحاس بالمينا».
ويؤكد السيد أن مهنة تطعيم النحاس في مصر مختلفة عنها في سوريا، من حيث اعتماد الأخيرة على عائلات معينة لمزاولتها وهو ما يسمى «شيخ الكار» في سوريا.
ويضيف: أنا الوحيد الذي يمارس هذه المهنة في عائلتي، غير أني أحاول أن أعلمها لابني لأني أراه يميل إليها، ولن أجبره عليها، لأن الإنسان حين يُكره على شيء من المستحيل أن يبدع فيه. ويعتقد جاد أن مهنة تطعيم النحاس شهدت تطوراً كبيراً في سوريا، ويقر أن هناك مبدعين حقيقيين ولكنهم قلائل، «لأن أغلب الناس يحاول أن يعمل فقط ليكسب نقوداً».
ولا يخفي السيد طموحه في أن يذكره التاريخ مثل جميع المشاهير، وأن يحقق صدى إيجابياً في حياة الناس من خلال أعماله «لأن الإنسان يذهب وتبقى أعماله».
دمشق - حسن سلمان
