تعتبر ثقافة عرض الأزياء جديدة نسبياً في سوريا، حيث بدأ الاهتمام بهذه المهنة مؤخراً بعد أن وجدت شركات الألبسة أنها أنجع طريقة لتسويق منتجاتها. ويبدي عدد من الشباب السوري تعلقاً بهذه المهنة باعتبارها تحاكي العصر، وكونها وسيلة سريعة للوصول إلى الشهرة، في حين يرفضها البعض الآخر باعتبارها تروج للثقافة الغربية الدخيلة على مجتمعاتنا العربية.
«الحواس الخمس» التقى عدداً من الباحثين الاجتماعيين والمهتمين بقضايا المجتمع، وناقشت آراهم حول مدى قبول الشارع السوري لهذه المهنة. بداية أجرى «الحواس الخمس» استبياناً حول عمل عارض/عارضة الأزياء في سوريا، شمل 100 شاب وفتاة من شرائح عمرية وأوضاع معيشية مختلفة، أكد عدد كبير من أفراد العينة (66%) رفض فكرة القيام بعرض للأزياء، لأنها لا تجذبهم وكونها مرفوضة اجتماعياً، حسب تعبيرهم، في حين اعتبرت نسبة كبيرة من العينة (34%) أن الاهتمام بهذه المهنة مؤخراً في سوريا هو أمر إيجابي.ويرد الباحث الاجتماعي د. طلال مصطفى هذا التناقض في الرأي لدى أفراد العينة إلى عدم النضج الاجتماعي (معرفياً وثقافياً).
مشيراً إلى أن هذه المرحلة العمرية تتميز بعدم وجود شخصية واضحة الملامح لدى الشاب، «فما يرفضه الآن ربما يقبله فيما بعد، لذلك نجده اختار موقفاً «لا تجذبني» بنسبة كبيرة، وهو موقف إيجابي، لأن هذه المهنة قد تجذبه في المستقبل».
ويضيف مصطفى: إن الشاب في هذه المرحلة يمتلك رغبات متصارعة كالرغبة في التغيير والتجديد في المجتمع، والرغبة في الاستقرار والالتصاق بالمجتمع قيمياً وثقافياً في آن واحد، لذلك نجده يرفض بشكل حتمي قيام شباب سوريين أو عرب بعرض أزياء البحر، بل يعتقد أن هذه المهنة تحتاج إلى تحرر لا يقبله المجتمع.
وذلك لأنه ينظر من عين المجتمع الذي يعتبر هذه الظاهرة دخيلة على مجتمعنا، ويربطها بظواهر أخرى كالرقص أو الاستعراض في الملاهي الليلية، لكنه قد يرضى بمشاهدة عروض أزياء غربية، ويتمنى في الوقت نفسه تعميم هذه الظاهرة في سوريا، حيث يعتبر إدخال هذه المهنة إلى سوريا أمراً إيجابياً، وهذا يدل على رغبة الشاب بالتجديد وإدخال قيم جديدة على المجتمع.
ويدعو الدكتور مصطفى إلى ضرورة وجود مساحة من الحرية للشباب للتعبير عن آرائهم وأفكارهم ضمن جميع المؤسسات الاجتماعية (أسرة، مدرسة، ناد)، وأن يسمح لهم بالاختلاف فكرياً مع هذه المؤسسات بما يناسب التغيرات الاجتماعية والثقافية، لأنه لم يعد بالإمكان وضع أسيجة حول هذه الفئة العمرية في ظل الانفتاح الثقافي الموجود عالمياً.
النمط الغربي
من جانبها تؤكد الدكتورة بارعة شقير، قسم الإعلام ـ جامعة دمشق، أن وسائل الإعلام تلعب دوراً كبيراً في ترسيخ ثقافة عرض الأزياء، مشيرة إلى أن الفضائيات تعرض نماذج مختلفة لعروض الأزياء التي تختلف باختلاف فصول السنة، «وهذا الأمر مرده إلى تعميم النمط الغربي». وتقول شقير إن فكرة عرض الأزياء انتقلت إلينا من الإعلام الغربي، حيث يستطيع الإعلام ترسيخ فكرة معينة عبر تكرارها لفترات طويلة، و«هذا ما يسمى بظاهرة (الأنتروبيا) أو التكرار في الإعلام».
وتضيف: الآن نجد مهنة عرض الأزياء منتشرة بكثافة في الفضائيات الغربية والعربية، وهذه الفكرة مرتبطة بمرحلة الشباب لأنهم يقبلون دائماً الأفكار الجديدة برغم معارضة المجتمع لها، لذلك نجد عدداً كبيراً من الشباب يقدم على ممارسة هذه المهنة بسبب الفكرة المسبقة لديه من وسائل الإعلام بأنها تحقق شهرة كبيرة دون بذل كثير من الجهد.
وتؤكد شقير ان هذه المهنة تركز على جانب مهم من الإنسان هو المظهر الخارجي، مشيرة إلى أن هناك مقاييس عالمية وضعتها دور الأزياء الأوروبية (طول، قامة) قد لا تتوافر في مجتمعاتنا العربية، وتشير إلى أنه من الخطأ أخذ هذه المهنة كما هي في المجتمعات الغربية، إذ لابد أن نضفي عليها شيئاً من خصوصية مجتمعنا، أضف إلى ذلك أن هناك مصممي أزياء وصلوا إلى العالمية من خلال تقديم عروض أزياء محلية.
ليست مهنة
وتختلف الآراء حول ظاهرة عرض الأزياء، ففي حين يعتبرها البعض مهنة تعتمد في نجاحها على عدة مقومات، يميل الآخرون إلى اعتبارها فناً ذي قيمة جمالية خاصة، وهذا ما تؤكده الدكتورة نوال النفوري، كلية الفنون الجميلة- قسم الديكور، جامعة دمشق) التي تعتبر مهنة عرض الأزياء من أرقى المهن على الإطلاق.
وتقول النفوري إن مهنة عرض الأزياء تحتاج إلى عدة شروط لا يمكن توافرها في كل الأشخاص منها كتلة الجسم، الشكل الخارجي، الثقافة، مشيرة إلى أنها فن متكامل كالفن التشكيلي أو الرقص، «وعارض الأزياء هو فنان مبدع يتمتع بإحساس مرهف، وهو يبعث الحركة والروح في الثوب الذي يرتديه، ويجعل الناس يقبلون على شرائه من خلال الدور الذي يؤديه على خشبة العرض، والذي لا يقل أهمية عن دور الممثل على خشبة المسرح».
وتضيف: لا تقتصر عروض الأزياء على أزياء البحر أو ملابس السهرة، فقد قمنا بعدة عروض تراثية خارج البلد لاقت نجاحاً كبيراً، واعتمدنا في تلك العروض على تقديم التراث بلغة عصرية، ونحاول الآن في وزارة الثقافة وضع أسس لمشروع إحياء التراث لكن هناك عدداً من الصعوبات.
وتشير النفوري إلى وجود دور أزياء عربية مثل العزبة في تونس، وفلة في المغرب وغيرها، قامت باستحضار التراث وتقديمه بشكل عصري وحققت بذلك أرباحاً هائلة، كما قامت المصممة الألمانية، هايكا، بتطوير التراث الفلسطيني بأزياء تواكب العصر وحققت شهرة عالمية.
وتقترح النفوري ضرورة وجود معاهد أو مدارس لتعليم الشباب فنون عرض الأزياء تقوم بوضع برنامج تدريبي (غذائي- ثقافي) لهؤلاء الشباب، إضافة إلى دعم الفعاليات الاقتصادية في سوريا لهذه المهنة عن طريق تبني العارضين وتقديم الدعم المادي لهم، فضلاً عن قيام الإعلام المحلي بتعميم ثقافة عرض الأزياء عن طريق تغيير المفهوم السائد عن هذه المهنة، وتقديمها كفن مستقل له شروطه الجمالية الخاصة به.
دمشق - حسن سلمان

