قدر الإبداع دائماً أن يقف على الحافة. إما السقوط في بئر اللا محدود للحرية أو الاحتراق في أتون الحدود الحمراء للسلطة الدينية.

تلك هي حدود المشكلة التي تعيشها السينما المصرية حاليًا بعدما انفتحت على مناقشة قضايا الأقباط بلا حساسية بعد تجاهل تام لمناقشة هذه القضية عبر عقود طويلة مضت، ولكن العواقب دائمًا وخيمة. وأبرز دليل على ذلك المشاكل التي تعرض لها الفيلم السينمائي «واحد صفر» الذي أدت بطولته إلهام شاهين، وأخرجته كاملة أبو ذكري، حيث يرصد الفيلم مشكلة سيدة مسيحية حصلت على الطلاق، ولكن الكنيسة ترفض إعطاءها تصريحات بالزواج مرة أخرى.فبمجرد عرض العمل في دور السينما توالت الاتهامات على صناع الفيلم بازدراء العقيدة المسيحية، وتوجيه بعض المحامين إنذارات بالجملة إلى صناع الفيلم.

بالإضافة إلى نقيب المهن التمثيلية، وإلى رئيس الوزراء، ووزير الثقافة، وشيخ الأزهر والرقابة على المصنفات الفنية، وذلك لوقف منع عرض الفيلم، لأنه - على حد قولهم - يمس صحيح العقيدة المسيحية.

ورغم الضجة التي أثارها الفيلم إلا أن نفس الضجة قد سبق وتكررت بعد عرض فيلم «بحب السينما»، وما سبقها من الأفلام التي كانت ضحية لمن يفرضون وصايتهم على الفن والإبداع، الأمر الذي توقفنا أمامه للتساؤل عن سر الحساسية المفرطة نحو الفن الذي يقوم بدوره في المجتمع برصد مشاكله، سواء أكانوا مسلمين أم أقباطا، ولماذا هذه الأصوات العالية والغاضبة والمانعة في مواجهة هذا الحد الجريء من الإبداع؟.

مشكلة عالمية بداية نذكر أن الأزمات التي تثار عند التطرق لبعض الموضوعات الدينية في الأفلام السينمائية تعد مشكلة عالمية .

وليست فقط مشكلة السينما المصرية، فالتعصب الديني لم ينته ببداية عصر العولمة والانصراف عن بعض الأفكار العقيمة التي لا جدوى من إخفائها تحت ستار المحافظة على المقدسات الدينية والعقيدة. فالتطور الثقافي والعلمي الذي شهده العالم لم يغير من أفكار البعض في جعل الحديث والجدال في أي الموضوعات التي تتناول الأديان على رأس مثلث الخطر الأحمر الممنوع حتى التفكير فيه، رغم وجود تجارب بعضها نجح في كسر حصار باقي أضلع المثلث.

وأخذ مادة غنية جدا في الإبداع وهي السياسة والجنس وتوظيفها بشكل فني مناسب للمواضيع التي تحتويها على هذا النحو. لكن إلى الآن يقف البعض في وجه المبدع الذي يفكر مجرد تفكير في كسر حصار حريته، وتناول ما يريده من مواضيع تحدث في المجتمع دون تدخل أي سلطة دينية أو تشريعية دون تطويع لموهبته وتحيزه لأحد الجوانب وتزيين الحقائق والاستخفاف بها.

وأياً كانت آراء المؤيدين والمعارضين لتطرق السينما لقضايا الأديان، يبقى فيلما «واحد صفر، و«بحب السيما»، مجرد بداية لمرحلة التي تفرض وصاية تشهدها السينما المصرية التي باتت أكثر اهتماما بتقديم مواضيع أكثر جرأه وتتعمق أكثر في حياة المواطن وظروفه الاجتماعية والسياسية، أي كانت انتقادات المؤسسات الدينية على الفن والإبداع.

حرية المبدع

وفي هذا السياق يعلق الناقد يعقوب وهبي بأن أي مؤسسة دينية ليس لها أي حق بالتدخل في مضمون العمل الفني، لأن هذا من اختصاص الرقابة في المقام الأول وهي التي تجيز النص أو ترفضه، ولو رأت الرقابة أن هناك ما يحيرها أحياناً من النصوص التي تقدم إليها فهي بنفسها تلجأ إلى بعض الجهات المختصة وتستشيرها إما بقبول النص أو رفضه أو تعديله بموافقة الكاتب

. ويؤكد وهبي أن الفنان له كامل الحرية في اقتحام أي موضوع يثيره، طالما هذه الموضوعات تمس المجتمع ويعاني منها وتثير الرأي العام، ولكن بالطبع هناك بعض المحظورات، خصوصا عند التعرض للمواضيع التي تحتوي على العقائد الدينية.. لافتا أن هناك الكثير من المخرجين تناولوا السيرة الذاتية للشخصيات الدينية..

ولكن بشكل لا يتعرض لشخصهم المقدس بأي سوء كما رأينا في عمل المخرج الراحل مصطفى العقاد عند تقديمه لفيلم «الرسالة» الذي يستعرض فيه سمات وملامح حمزة بن عبد المطلب، وأيضا الممثل الراحل حسين صدقي وولعه بتقديم شخصية خالد بن الوليد في الخمسينيات، ومن ساعده وقتها على كتابة السيناريو أحد شيوخ الأزهر هو الشيخ أحمد الشرباصي، فالفنان عند طرحه لهذا النوع من المواضيع لزاماً عليه أن يعرض الحقائق كما هي مجردة من أي افتراء ولا يحق له تشويه صور الرموز المقدسة.

التضخيم الإعلامي

أما الدكتور ناجي فوزي - أستاذ النقد السينمائي بأكاديمية الفنون فيلقي اللوم على التضخيم الإعلامي، ويصف ما قام به أحد المحامين الأقباط أنه مجرد زوبعة فردية لا ترتبط بآراء جميع المسيحيين، ويرجع ذلك إلى أن المؤسسة الدينية الرسمية والتي تتمثل في المجمع المقدس برئاسة البابا لم تتقدم بأي دعوة أو مستند احتجاج رسمي لأي جهة قضائية ضد الفيلم، لأنه لا يحمل أي إساءة من قريب أو بعيد لجوهر العقيدة المسيحية، فشخصية هذه السيدة المسيحية داخل الفيلم هي واحدة من آلاف الحالات الموجودة بالفعل في المجتمع، ومجرد أنها تعرض مشكلتها على أحد محاميها في مناقشة عادية جداً لا يمكن أن نعتبرها خللا أو تحريضا على أي شيء أو فعل ضد الدين فما هو خارج العقيدة يستطيع أي إنسان الجدال فيه ومناقشته وعرضه وإعادة التفكير فيه مرات ومرات.

السينما لا تصنع القرارات

إلى هنا يؤكد الناقد محمود قاسم أن السينما لا تصنع القرارات، ولكنها مجرد أداة لعرض آراء فئة من الناس متمثلة في الفنان القائم على صنع العمل، فالسيدة المسيحية في الفيلم ترغب فقط في أن تستكمل حياتها بشكل طبيعي لا أكثر، وهي حالة خاصة لا تعتبر ظاهرة عامة في المجتمع المسيحي، ومن الممكن أن نقابل هذا النموذج في أي ديانة أخرى، فتأثير المجتمع في حياة المرأة بات أشد قوة من تأثير الدين فيها، ونحن أصبحنا نتمسك بالعادات ونضعها أحيانا في مكانة تعلو الجوانب الدينية والإنسانية، فالفنان يحق له إبداء رأيه ورجل الدين من حقه الرد كما يريد.

وليس من حقه المنع أو المصادرة، ولكن تقف حرية الفنان عند حدود، خاصة بما جاء في الكتب السماوية، أما دون ذلك فيطرح ما يريد. ويؤكد قاسم أن هناك العديد من النماذج التي مرت على تاريخ السينما أقربها الأزمة التي خلفها فيلم «بحب السيما» وكانت الأقوى، وأنا نفسي كنت مستاءً من الصورة التي طرحها لحياة هذه الأسرة المسيحية على هذا الشكل.

وهناك أيضا فيلم قدمه حسين صدقي في الخمسينيات بعنوان «ليلة القدر» عن فتاة مسيحية تعتنق الإسلام، ولكن تم منعه، وبعدها أعاد المخرج صياغته باسم جديد هو «الشيخ حسن»، وقدمه على نفس الصورة، مما جعل السلطات الأمنية تمنع عرضه خوفا من وقوع فتنة طائفية باتت وشيكة آنذاك.

أما كاملة أبو ذكري مخرجة الفيلم الذي فجر قضية الأقباط في السينما فتؤكد أنها حين تصنع عملاً سينمائياً لا يتوجب عليها إرضاء الجميع؛ فالجمهور في النهاية هو وحده الحكم على ما يقدم، ومن المحتمل ألا ينال العمل الفني إعجاب الجميع فهذا شيء طبيعي، ويرجع إلى درجة وعي المشاهد ومدى تذوقه للعمل الفني. وأضافت أبو ذكري أن من حق المبدع التعرض لأي موضوع سواء بالعرض أم النقد من خلال عملها الفني، طالما لا يمس الذات الإلهية بسوء، ويبقى الحكم في النهاية للمشاهدين.

القاهرة: دار الإعلام العربية