كطفل صغير عاشق لألعابه وهداياه يحتضنها مستيقظاً ونائماً، ولا يشعر بالسعادة إلا معها، يعيش المصري فهمي عزيز وسط مقتنياته من التحف العاجية، والتي أفنى غالبية عمره وأمواله في جمعها من شتى أرجاء العالم.
وبحب الأب لأبنائه، يتحدث ل«الحواس الخمس» عنها بأنه لم يبخل عليها بكل غالٍ ونفيس، سافر من أجلها العديد من الدول، وخاض في سبيل شراء قطعة منها صعاباً، واشترى ما يتعلق بها من قريب أو بعيد من كتب أو مجلات؛ ليعرف كيف يحافظ عليها. يمتلك فهمي أكثر من 100 قطعة فنية مصنوعة من سن الفيل، ويعتبرها جزءاً منه لا يمكن التفريط فيه مهما كان الثمن، ويعلن استعداده لدفع كل ما يملك مقابل الحصول على قطعة لم تصل يده إليها من قبل.يقول: العاج من المواد النادرة التي استخدمت على نطاق واسع منذ أقدم عصور التاريخ، وترجع شهرتها الفنية إلى كثافة ودقة حبيباته وقابليته للنقش والحفر عليه بسهولة، وقد برع القدماء في استعمال ناب أو سن الفيل في تصنيع التحف، وكانت المنحوتات والمحفورات العاجية تُرسم عليها صور ملونة، ويعتبر كذلك من المواد التي توافرت في مصر في العصور القديمة، ولكن مع مرور السنين، وبسبب الصيد الجائر للأفيال، تم حظر تجارتها وتصنيعها، حفاظًا على الفيلة من الانقراض.
سبب عشقي لم تأتِ شهرة فهمي في هذا المجال مصادفة، فهو ورث عشق كل ما له علاقة بالعاج عن جده لأبيه، وعندما كان طفلاً يلعب في منزل جده، كان يرى أشياء صغيرة ألوانها بيضاء وسوداء، وشكلها غاية الروعة والدقة، حينها كان يسأله عنها؛ فيجيبه قائلاً: «إنها تحف من سن الفيل»؛ فيسأله من جديد: «وما معنى تحف سن الفيل؟»فيجيبه: «إنها أشياء صنعت من ناب الفيل بعدما يصطادونه من الغابات في بلاد أفريقيا، وأنها غالية الثمن جداً، وأنه يتم تصنيع تماثيل منها على أشكال حيوانات أو عربات تجرها خيول»، ولأن الطفل كان شغوفًا بهذه القطع الفاتنة، يستمر في طرح الأسئلة على جده، قائلاً: «وما الموطن الرئيسي للفيلة؟»؛ فيرد الجد مؤكدًا له أنه جنوب أفريقيا.
ويتنهد فهمي تنهيدة عاشق، ويبدأ في سرد قصة حبه مع هوايته بالقول: كنت في كل مرة أزور فيها منزل جدي لا أفعل شيئاً سوى الجلوس أمام هذه التحف، وأظل أنظر إليها مندهشاً ومشدوداً إلى جمالها، ولم يكن لي من الأماني إلا أن أبدع تمثالاً واحداً مثلها، وحاولت أن أفعل ذلك حينها عدة مرات، وكان جدي ينهرني، ويصل الأمر إلى حد الضرب، وكان يقول لي: «لا تعبث بهذه الأشياء، إنها غالية جداً»، ولما كبرت كنت متشبعاً بحب العاج.
وعلمني جدي أنه لكي أكون مميزًا في هوايتي لابد أن أحبها، وأخلص لها، وإن استطعت عشقها فيكن ذلك، وبدأت بالقراءة عنها، وبحثت في الكتب والمجلات عن أسرار سن الفيل، وكيفية استعمالها، وموطنها الأصلي، وتمكنت من الاطلاع على أكبر قدر من المعلومات، لدرجة أن مكتبتي لا تحتوي إلا على ما يتعلق بهذا الأمر.
ويواصل الحديث عن هوايته، والابتسامة تعلو وجهه بفخر وسعادة: من شدة تعلقي بهذه الهواية لقبت ب«مجنون سن الفيل» من قبل أصدقائي، وكانت أمنية حياتي هي اقتناء بعض من قطع العاج، ووفقت في تحقيقها عندما التقيت أحد السفراء الأفارقة مصادفة، واشتريت منه 15 قطعة على أشكال حيوانات، وجميعها من سن الفيل الخالص.
وهي دقيقة الصنع جداً، وجميلة وجذابة، تجعل من ينظر إليها للمرة الأولى لا يستطيع أن يرفع عينيه عنها إلا بعد فترة، ويتمنى أن يستحوذ عليها، وبعد ذلك اقتنيت تماثيل رائعة لسيدات ورجال بأشكال وأحجام مختلفة، حتى صار لدي ما يقرب من 100 قطعة، ولا أخفي سراً أنني اقتني قطعة عاج وزنها 10 كيلوجرامات مشغولة على شكل شجرة عائلة.
وتعتبر من أندر الأشكال الموجودة في العالم، ولدي أيضًا قطعة نادرة وتعتبر ذات مغزى كبير، إذ عندما تنظر إليها تشعر أنك تشاهد معركة حقيقية تجرى فصولها على أرض الغابة، وهي عبارة عن أسد يهاجم حماراً وحشياً، ويمسك به من عنقه، ولا يوجد نسخة أخرى منها في العالم، هذا بخلاف قطع لغزلان، وتماسيح، وغالبية الحيوانات الموجودة على سطح الأرض جمعتها من العديد من الدول، ويعتبر الملوك والأمراء والسفراء أكثر من يمتلكون تحفاً مصنوعة من سن الفيل.
أسرار وحكايات
وفيما يخص تاريخ العاج، وأشهر القطع الموجودة منه في العالم، يوضح: هناك أدلة أثرية تشير إلى أنه كان من المواد المنتشرة في المواقع الأثرية لعصور ما قبل الإسلام في الجزيرة العربية، حيث ظهر في بلاد الرافدين نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد، وورد في الكتابات التي عثر عليها في هذه المناطق أنه كانت السلع التجارية المصدرة إلى بلاد الرافدين تشتمل على الذهب والبرونز والنحاس والفضة ومصنوعات العاج.
وكشفت أعمال الحفر والتنقيب الأثري في موقع المنطقة الصناعية ب«تمياء» في العراق وجود قطع أثرية معدنية ومجموعة من الخرز وأدوات الزينة المصنوعة منه، وهي عبارة عن أساور وقلائد وأقراط، وأقيم لها متحفاً يضم مجموعة أخرى قيمة ونادرة من مشغولاته.
وتظهر أن الإنسان في ذلك الوقت كان على درجة عالية من الإبداع التقني في مجال الصناعات الفنية العاجية، فمثلاً كان يصنع الخناجر منه، والتي تعد من أفضلها على الاطلاق في العالم، ويقتني أغلبها السعوديون ويعتزون بها جداً، وكانت سلاسلها تصنع من نوعية معينة من الحديد، وتطعم مقابضها وأغمادها بالذهب والفضة، وتشبه السيوف إلى حد كبير.
ويستطرد سارداً حكاياته مع العاج وفنونه، قائلاً: من النوادر التي رأيتها في إحدى البلدان الأوروبية، وكنت أتمنى اقتناءها علبة مستطيلة ذات غطاء على شكل منصة مكونة من صفائح عاجية مركبة مع بعضها البعض، ويمسك بها رباطان فضيان الغطاء.
وكان بها بعض الثقوب التي تدل على أنها ذات تاريخ حافل، وكانت مزينة برسوم على أشكال حيوانية محاطة بأشرطة ضيقة، وتظهر على الصفائح رسوم منمنمات لحيوانات تتصارع مع بعضها البعض، وتحيط بهذه الحيوانات أغصان دائرية، إضافة إلى مجموعة من الأسود والأرانب والجمال والزرافات.
وبأسى واضح يختتم حديثه: للأسف الشديد، بدأت صناعة العاج أو تحف سن الفيل تنقرض خلال السنوات الماضية، وصارت محظورة دوليا؛ لأنها كانت سببا في انقراض الأفيال؛ لذلك أصبحت التحف المصنوعة منه نادرة جدا، وباهظة الثمن بطريقة غير معقولة، وإذا عثر على أي قطعة تصادرها سلطات البلد التي وجدت على أراضيها، وقد يتعرض حائزها للسجن، ولكل ما سبق أصبح يوزن بالجرام، وهو بالمناسبة أغلى من جرام الذهب، وأحيانا يقاس بالسنتيمتر.
ويكون السعر في متناول أيدي الأثرياء والأمراء والملوك فقط، فضلاً عن أن صناعته صعبة جدا، فالرسم والنقش عليه يستغرق شهوراً، ولو كانت القطع كبيرة إلى حد ما قد تستغرق سنوات لجعلها تحفة فنية، وأنا لدي ناب فيل كامل استغرق حفر الرسومات عليه 3 سنوات، وهي بالإضافة إلى القطع التي ذكرتها سابقاً اعتبرها جميعا مملكتي الخاصة.
ولا يقدر أحد على اقتحامها، وأرفض تماماً البيع أو التفريط بأي شكل في جرام واحد منها، ولو لأسوأ الظروف، وعندما تصادفني قطعة غير موجودة لدي، لا أتركها أبدًا حتى ولو استلزم ذلك انفاق كل ما لدي من أموال.. إنها مملكتي التي أعيش من أجلها، وهوايتي التي تسعدني دائمًا.
القاهرة: دار الإعلام العربية


