كان في الماضي أثمن هدايا الزفاف، وأجمل ما تحظى به العروس الإماراتية، وهو تعبير عن الرغبة في حياة مديدة يتمنى العريس أن تدوم لهذا الزواج، إنه (المندوس) هذا الصندوق الخشبي المنقوش بأجمل النقوش النحاسية، والذي يعتبر واحداً من الرموز التراثية للإمارات لما يحمله من عبقٍ أصيل.

ومع زحف الحضارة الحديثة بدأت حرفة صناعة (المندوس) بالاندثار في الإمارات والخليج، إلا أن يحيى المسكري الذي تعلم الحرفة عن والده وأجداده عشق المندوس وكنوز أسراره الجميلة فباشر بصناعته منذ سنوات ليكون أجمل وأفخم ما يصنع، محافظاً على الهوية التراثية ومبدعاً ومضيفاً للعديد من الأفكار فيه، فأنشأ (رويال مندوس) الذي بات علامة من علامات الإبداع التراثي الإماراتي. (الحواس الخمس) التقت المسكري في مهرجان ليوا الخامس للرطب في المنطقة الغربية فكان هذا الحوار.يقول يحيى المسكري عن بداية تعلّقه بصناعة (المندوس): لقد شغفت بصندوق التراث هذا وشكله ونقوشه الجميلة منذ الطفولة؛ وتحديداً حين بدأ والدي بصناعته عام 1973م، حين رأى أن الحياة الحديثة والمعاصرة باتت تأتي على ما تبقى من ذاكرة تاريخية لتراث المنطقة، ولا تزال طرقات المسامير وقطع الأخشاب التي كان يزاولها والدي في صناعة المندوس ترن في مسامعي إلى هذه الساعة، فتعلمت الحرفة منه.

واشتغلت في طفولتي على بعض الأعمال الخشبية التي نلت عنها جوائز في المسابقات المدرسية، وحين زحفت الحياة الحديثة بعصريتها واكتساحها لكل ما هو عتيق وتراثي ومنها المندوس، بدأت كلمات الناس في مدينة العين تقول (إن كنتَ تريد مندوساً جيداً فاذهب إلى دار المسكري- وهكذا بدأت حكايتي مع هذه الصنعة التراثية).

أما الخشب الذي يستخدمه المسكري في صناعة (المندوس) فهو من أشجار شءث وتحديداً (صزحء شءث) الذي يستورد منذ القدم من دولة بورما (ميانمار الحالية)، وهناك أنواع أخرى تأتي من الهند وتايلند وبعض مناطق جنوب شرق آسيا، ويلفظ في الإمارات ومنطقة الخليج بلفظ (بورماتيك)، عن مزايا هذا النوع من الخشب يقول المسكري: إن هذا النوع من الأخشاب الثقيلة يستخدم منذ آلاف السنين في صناعة السفن لمقاومته الكبيرة للماء والرطوبة وحياته الطويلة.

كما أنه كان يأتي عن طريق المحيط الهندي فبحر عمان إلى المنطقة الخليجية فتصنع منه أبواب المساجد والبيوت وبعض قطع الأثاث التي نراها لا تزال قوية إلى يومنا هذا، وقد التفت بعض الأوروبيين في العصر الحالي إلى مزايا هذا الخشب الفريد فأدخلوه في صناعاتهم وأثاثهم بكثرة.

بعد استيراد الخشب على شكل جذوع أشجار كاملة- ووصولها إلى ورشة المسكري يقوم باختيار الجذوع المناسبة التي لا تشوبها الشقوق ويقوم بتفصيلها على شكل قطع متناسقة لصناعة (المندوس) والذي يصنع بثلاثة أحجام -صغير ومتوسط وكبير- ويبلغ طول الكبير حوالي متر وارتفاعه يقارب 60 سم، ويختلف (المندوس) الذي يصنعه المسكري عن سواه من الموجود في الأسواق من حيث الخشب والطريقة الفنية التي يصنع بها، والمقاييس الرياضية التي يبذل فيها جهد كبير.

ولكن بالطريقة التراثية القديمة ذاتها، مع بعض الإضافات كالمندوس الجديد الذي ابتكره وتظهر فيه الواجهتان بالنقش والشكل الجمالي نفسيهما، فأينما وضع يظهر بالشكل نفسه- على عكس المناديس القديمة ذات الوجه الواحد- أما النقوش الخارجية المستخدمة فهي من النحاس، ويصل وزن المندوس الكبير إلى 200 كيلو لقوة الخشب وثقله، أما المندوس الصغير فيقارب 35 كيلو جراماً.

يبلغ سعر المندوس الكبير الذي يصنعه المسكري 25 ألف درهم، ويتمنى المسكري أن ينافسه صانع مندوس بجودة صناعته نفسها، وهو يوجه المقتنين بعدة توجيهات لعل من أبرزها تلميع المندوس في كل فترة بمادة (البراس) التي تتفاعل مع الخشب والنحاس وتعطيه رونقاً جديداً كلما مرّ به الزمن لأنه يزداد بريقاً ويضيف: من الهبات الفطرية التي منحها الله لهذا النوع من الخشب والأشجار- عدا مقاومته الرطوبة والماء التي تتجاوز 30 سنة- هو أن هذه الشجرة وخشبها مما لا تقربه حشرة (الأرضة) التي تفتك بأغلب أنواع الأخشاب.

لم يكتفِ يحيى المسكري بصناعة (المندوس) الذي يعتبر الأفخم من نوعه في الإمارات؛ بل أنه وبحكم هوايته في التصوير والديكور، قام ببناء نماذج مصغرة لمشاريع كبرى يحلم بتحقيقها منها (أكبر مندوس في العالم) الذي أنجز نموذجه عام 2002م وهو عبارة عن مبنى ضخم على شكل مندوس تظهر في واجهته الرئيسية شاشة عرض إلكترونية كبرى تقدم على مدار الساعة لمحات من عطاء وحياة الشيخ زايد، رحمه الل.

ويقول في ذلك: لأن عطاء زايد وكنوزه الإنسانية التي قدمها لشعبه وللعرب والإنسانية مثل كنوز وخبايا المندوس الذي كان يحفظ الأشياء الثمينة؛ وكجزء من رد الجميل والوفاء لهذا الإنسان الكبير؛ فقد أنجزتُ نموذجاً مصغراً لأكبر مندوس في العالم وقدمته لعدة هيئات ومؤسسات منها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث وهيئة السياحة لتنفيذ هذا المشروع الذي أحلم به، وسأبقى محتفظاً بهذا الحلم إلى أن يأتي اليوم الذي سأحققه فيه.

أما المصنوعات الخشبية الأخرى التي ابتكرها المسكري فهي تتنوع بين الطاولات المزججة، وعلب خشبية وكرسي خشبي هزاز طليت نقوشه ومساميره بالذهب ويعد أحدث ابتكارات المسكري.

المنطقة الغربية- محمد الأنصاري