من الممكن أن نتعود أخبار الجرائم التي تمر علينا كل يوم، حتى تصبح بمرور الوقت جزءا من روتين الحياة، ولكن البراعة الحقيقية أن نتوقف لنتأمل هذه الجرائم ونحللها، وأن نصنع منها فنا، وأن نقول في هذا الفن كل ما يمكن أن يقال في السياسة والاجتماع والاقتصاد.
وهذا ما فعله المخرج سعد هنداوي الذي توقف عند ظاهرة سفاح المهندسين، التي تناولها خالد الصاوي وعطية الدرديري في سيناريو عن قصة واقعية كتبها خالد عكاشة، فصنعوا منها فيلما مدته ساعتين وبقدر ما أمتعنا أفزعنا، وبقدر ما وضعنا داخل حياة صاحب المأساة، عكس من خلال مشاهده المتتالية عنف هذا الزمان، وكيف يدفع المجتمع ثمنه غاليا، وهكذا تحول هذا العمل بسلاسة فائقة، إلى وثيقة تدين مشاعر الجميع بلا استثناء.فيلم «السفاح» الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية، اختار القتل وسفك الدماء ليضعنا أمام حقيقة الحب، أرتضى الموت ليقدم لنا الحياة، أو على الأقل ـ كما أراه ـ ما هو إلا فصل من الصدق والأمل، لسبب بسيط .
حيث أعتبره بوصلة نصبح من خلالها قادرين على العثور مرة أخرى، على المشاعر والفهم اللذين نحتاجهما، لكي لا نكون وحيدين في الحياة، وفي معركتنا مع تحقيق الذات، وهذا هو دور الفن في تجديد الروح وإحياء المشاعر النبيلة، وإعادة التوازن إلى نفوسنا، وشحننا بالقوة والصلابة والقدرة على الاحتمال ومواصلة المشوار.
هذا الفيلم هو ثالث تجربة لمخرجه بعد فيلمي «حالة حب» عام 2004، و«ألوان السما السبعه»عام 2007، ولا يمكن فصله عن طريقة وأسلوب سعد هنداوي التي عهدناها في أعماله حتى القصيرة منها، فهو يتعامل مع سيناريو أي عمل باعتباره قصيدة بصرية هدفها التسلل إلى الوجدان، عن طريق الأذن من خلال لغة الحوار والموسيقى.
وعن طريق العين من خلال المؤثرات المرئية، ثم عن طريق المشاعر ونحن نتابع رحلة شخص منذ أن كان طفلا إلى أن يصبح شابا يافعا قويا يواجه قدره بالسلاح والعنف، ملاذه الآمن أوراق ممزقة يكتب عليها واقع خلاف ما يعيشه، وكأنها رسائل أحلام في عصر التمزق والتشتيت.
يبدأ الفيلم وينتهي، في تلك الليلة التي يقدم فيها على مذبحته التي يذهب ضحيتها أفراد أسرة كاملة، وما بين البداية والنهاية يأتي الفلاش باك محددا فترة مابين عامي 1978 وحتى 1994 ليواجه فيها الذكريات، ويترك العديد من التساؤلات التي تثير المشاهد وتستدعي مخزون أحداث الفيلم من لقطاته الأولى.
أراد فيلم «السفاح» طرح رسالة أن السفاح ليس بالضرورة صنيعة ظروف صعبة، ينتقم مثلا لمصرع أسرته فيتحول بالتالي إلى سفاح، أو أنه يواجه حياة قاسية لا يجد فيها قوت يومه ويتورط في جريمة قتل هو بريء منها، ولكنه في هذا العمل شاب ثري يلعب دوره هاني سلامة، نشأ في أسرة مفككة والده سامي العدل منفصل عن والدته ولا يشغله إلا مكاسبه المادية التي جعلته قاسي القلب أعمى البصيرة، وأمه سوسن بدر منشغلة بملذات الحياة ومتزوجة من شاب يصغرها بسنوات كثيرة ولا يهمها سوى المحافظة على مصدر البهجة والنشوة، ولا يجد الابن بينهما الحنان.
وتموت عمته مصدر الأمان الوحيد له والتي كان يراسلها بخطابات تبلور أحلامه وتخالف واقعه وما يتعرض له، وهنا يقع هذا الشاب في براثن تجار هذا العصر ـ أقصد تجار السلاح والاغتيالات ـ وعشاق المادة الذين يشكلونه كيفما يرون، ورغم انه شاب وسيم إلا انه لا يتورع في ارتكاب أبشع الجرائم.
ويستعرض الفيلم في أحداثه المتوالية، كيف تعامل مع تجار السلاح وقتل من أجلهم، ولقاءه مع امرأة متزوجة خائنة لزوجها الذي يفضل السفر لوحده من أجل البحث عن المال، دون حساب لعواقب ما يمكن أن تتعرض له زوجته من إغراءات، وتلعب دورها نيكول سابا والتي تنجب من السفاح ابنة في علاقة آثمة، لتضع حول ابنها من زوجها حلقة أخرى من الظروف التي من الممكن أن تدفع به لمصير السفاح الذي ارتبطت به وتفشل في توفير الأمان له، كما تفشل محاولاته تماما في استرداد والديه رغم بعض الحب الذي يظهره لهما.
وتلقي تفاصيل الفيلم الضوء على التاجر اللبناني متعدد الاهتمامات خالد الصاوي، الذي يتعرف على السفاح خلال الحرب العراقية الإيرانية، ويجلبه إلى لبنان في صراعها الطائفي لتنفيذ بعض الاغتيالات السياسية، ثم يذهب إليه في القاهرة ليساعده في الحصول من عالم كبير على شفرة اختراع خطيرة لصالح جهة ما، وعندما يتوجه السفاح إلى هذا العالم، والذي أداه ببراعة نبيل الحلفاوي.
وفي مواجهة داخل بيته يكتشف معدنه الصلب وحرصه على الموت هو وأفراد أسرته، ويعلمه أنه لابد وأن يكون لدى كل شخص هدف وقيمه يموت من أجلها، وهنا يطلق سراحه حيث لم يجد السفاح فيه عقدته النفسية التي تحركه للقتل، ألا وهي أن كل من يحرص على الحياة مقابل المادة فقط لا يستحق إلا القتل، والعكس طبعا صحيح، ولهذا يكون مصير هذا السفاح هو الإعدام، وقد اجتهد هاني سلامة في هذا الدور ووضح نضجه في المشاهد الإنسانية، خصوصا عندما يطلب قبل إعدامه رؤية وكيل النيابة ناصر سيف الذي تعامل معه في صغره بإنسانية وعطف.
وأعطاه بسكويت قبل أن يدخل إلى مؤسسة الأحداث، لينتهي الفيلم في لقطة مفتوحة عالية لوكيل النيابة وهو يمشي وسط الناس في شوارع القاهرة، وكأنها رسالة وجرس إنذار لكل الفئات أن السفاح قابع بينهم سواء في البيئة الفقيرة أو الغنية على السواء.
في فيلم (السفاح) نواجه الحقيقة بكل قسوتها، ونرى الأمان يأتي من نظرة أخلاقية شاملة، ووعي كامل بما يحدث حولنا في المجتمع، فهو بمثابة شبه محاكمة للنفس أو نقد ذاتي، لكن رغم بعض الحلول الميلودرامية التي لجأ إليها المخرج وكاتبا السيناريو، لتكثيف الأحداث والتي جعلت منه تجربه جريئة، إلا أن هناك بعض الملاحظات الفنية التي يجب أن نتوقف أمامها، ومنها شخصية السفاح التي تعانى من التيمة الدرامية المعروفة ب(جعلونى مجرماً).
حيث الطفل الذي نشأ في بيئة مفككة بين أم شهوانية متزوجة من شاب يصغرها بالسن، وأب قاس يعامله بشكل عنيف، ولم يزد السيناريو عليها أي جديد، بل إن توظيفها جاء في أكليشيهات مكررة مثل رؤية الأم في أحضان الزوج الجديد أو ضرب الأب للطفل بالحزام.
ورغم أن السيناريو حاول أن يضعنا أمام حالة التشوه تلك من خلال الغوص في خطابات السفاح إلى عمته (المهرب الوحيد من عذابه النفسي)، بطريقة مغايرة للواقع حين يصف لها حياته بشكل سوي، بينما هي مجموعة من الجرائم الدموية، نكتشف أن هناك انفصالاً حقيقياً بين الواقع الذي يتحدث عنه وبين واقع المتفرجين، فالشخصية دموية نتيجة مرضها النفسي وبالتالي هي تحارب وتقتل من أجل الحرب والقتل، وذلك بمرحلة تواجدها في العراق ولبنان، وليس معنى وجود لقطات تسجيلية للحرب أن هناك اتصالاً واقعياً، فلو تم تجريد الحرب لن يشعر المتفرج بأي فرق.
وغفل المخرج نقطة مهمة جداً، وهى شخصية الطفل ابن المرأة المتزوجة التي يرافقها السفاح، والذي يراهما في أوضاع مشينة، يسقط هذا الطفل من المتابعة بمجرد بقاء أمه مع السفاح بعد هجرها زوجها، في حين أن استمراره كان من الممكن أن يلقي بفكرة تحوله إلى سفاح جديد، وهنا كان يمكن أن يكون لفساد الشخصية وتشوهها موضع ذو قيمة اجتماعياً وفكرياً، بدلاً من إغلاق الدائرة بإعدام السفاح كجزاء عادل على كل ما اقترفه.
دبي ـ أسامة عسل


