منى نور الدين التي عرفها الجمهور التونسي في «كسوة كلثوم برناز» وفي «ظل الأرض» تنشد «معزوفة المطر» وتواجه «ريح السد» في«بلاد التراطنني»، وهي زوجة «الماريشال» في أشهر المسرحيات التونسية على الإطلاق، وهي «أمي فضيلة» التي تجمع شمل العائلات على طاولة رمضان منذ خمس سنوات ولا تزال.

وهي صورة أمهاتنا وجداتنا وصورة المرأة التونسية بصدقها وطيبتها ودهائها وحكمتها، وهي إلى جانب ذلك كله اسم يختزل جوانب مضيئة من تاريخ المشهد المسرحي والسينمائي في تونس.منى نور الدين كانت احدى ضيوف شرف المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون في دورته الرابعة عشرة.التقيناها في دردشة خفيفة بمكتبها في مقر فرقة مدينة تونس المسرحية.اعتقد انه والحمد لله ثمة مسيرة من العطاء يقابلها حظ وافر من التتويجات.بالفعل التتويج مهم في حياة المبدع مهما كان مجال إبداعه، وأنا نلت تتويجات عديدة سواء من الجهات أو على الصعيد الوطني ولدي سبعة أوسمة للاستحقاق الثقافي في مختلف الأصناف، وجائزة الدولة التقديرية في ميدان المسرح. وعربيا توجت في مهرجان الإذاعة والتلفزيون بالقاهرة وفي مهرجان بنغازي بالجماهيرية الليبية، ويأتي تتويج هذه الدورة لمهرجان الإذاعة والتلفزيون كأول تتويج له بعد عربي من تونس.

عادة يثار جدل كبير حول قيمة التتويج في مرحلة مبكرة من التجربة الإبداعية.

أصل التتويج أن يكلل مسيرة من العطاء والإبداع ليكون بمثابة الوسام أو التاج على رأس الفنان المبدع. أما التكريم في بداية المشوار الفني فيمكن اعتباره تنويها وإشادة وطريقة للتشجيع لبذل مزيد من الجهد. ولكن الأكيد أن التتويج في الحالتين هو مسؤولية كبيرة، خاصة حين يكون تتويجا لمسيرة كاملة، لان مسؤولية المتوج تكون مضاعفة بين تقديم الأفضل دائما وبين المحافظة على المستوى الفني الذي وصل إليه.

ما قيمة العمل التلفزيوني اليوم في مسيرة منى نور الدين المسرحية بالخصوص؟

لا يمكن لأحد أن ينفي أن التلفزيون اليوم هو البوابة الكبرى للتعريف بالمبدع، وترسيخ صورته لدى المشاهد التونسي والعربي، ولدى الجاليات العربية بالبلدان الأوروبية. فالتلفزيون يختصر المسافة بين الفنان والجمهور، ولكن للمسرح هيبته وقوته وللسينما ذائقة جمالية فريدة.

كيف تقيمين واقع الدراما التلفزيونية التونسية منذ بداياتها أوائل التسعينيات؟

نحن ليس لدينا إنتاج ضخم لندخل مرحلة التقييم الجدي. لدينا فقط مسلسلان اثنان وأضفنا إليها «سيتكوم»، وإن استطعنا نؤثث الطبق الرمضاني بسلسلة من الكاميرا الخفية، والحقيقة أن كل هذه الأعمال يتولى إنتاجها التلفزيون الحكومي، ولكن القطاع الخاص مقصر في خلق حركة درامية فعلية، وحتى التجارب الموجودة فالواقع أنها تنتج «بفلوس الدولة»، وهو ما قد يجعل الأمر معقدا أكثر.

مهرجانات اتحاد الإذاعات العربية من المفروض أنها فرصة لدعم التبادل العربي ومع ذلك يبقى التبادل مجرد شعار.

نحن التوانسة لا نعامل الناس بالمثل، لان التونسي بطبعه متسامح ويحب الآخر، نحن نبث أعمالا عربية من مصر وسوريا وحتى الخليج، في حين أن الآخر لا يكلف نفسه عناء البحث عن خصوصيتنا، ولكنه حين يكتشفها صدفة يرحب بها كثيرا، وحسب تجربتي في الأعمال العربية المشتركة، فان مسألة اللهجة مغلوطة وحكاية «فارغة»، ولكن يبقى الاجتهاد وتكوين شراكات فعلية مطلوبا.

ما الذي يشفع لسلسلة تلفزيونية تواصل حضورها خمسة مواسم رمضانية متتالية؟

«شوفلي حل» متواصل لان الجمهور ملتف حوله، ومحبة الجمهور للعمل نابعة من قرب أبطاله وشخصياته من الناس، فكل منا يجد صورة لأحد أفراد عائلته في إحدى شخصيات «شوفلي حل»، والسيتكوم خفيف الظل لأنه يعكس واقعنا «الباهي والخايب»، ولا يهرب منه أو يخفيه أو يجمله. ولذلك فان اكبر جائزة لسيتكوم «شوفلي حل» منحها إياه الجمهور التونسي والعربي.

لو كان لديك ولد مثل «السبوعي» في السلسلة التلفزيونية «صورة الشاب الأبله والأكول»، هل كنت تتصرفين معه بنفس أسلوب «أمي فضيلة»؟

أكيد لان الأم بطبيعتها لا ترفض أيا من أولادها مهما كانت طبيعته، وشخصية «فضيلة» هي في النهاية صورة كل أم تونسية.

أين نجد صورة منى نور الدين الأم والجدة في «شوفلي حل» وفي كل أدوار الأم التي قدمتها في التلفزيون؟

حين أقدم دور الأم فإني أقدم صورة المرأة التونسية، وأنا تونسية يعني في النهاية انأ أقدم وجها من وجوهي، وأقدم صورة المرأة المناضلة التي تكرس حياتها لتعليم أولادها ولتربيتهم وتمتلك شخصية قوية حتى وإن كانت أمية. ومعروف أن حرية المرأة التونسية ليست هدية، بل هي نتيجة حتمية لمسيرة متواصلة من النضال الاجتماعي والسياسي وقفت فيها المرأة مع الرجل جنبا إلى جنب.

كان لابد من النضال أيضا لتسجل المجموعة النسوية حضورها ضمن الحركة المسرحية التونسية في بداياتها.

صحيح. ولكن أنا اعتبر نفسي محظوظة لأن عائلتي شجعتني على دخول المسرح.

مسؤولية إدارة فرقة بلدية تونس ليست هينة أيضا.

المرأة القادرة على خلق رجال وتدبير أمور عائلة تستطيع تسيير الإدارة، لأنها بمثابة العائلة الموسعة. ويقال إن من علم امرأة فقد علم قبيلة، المسؤولية صعبة وإرضاء الناس غاية لا تدرك، ولكني أدير فرقة مدينة تونس كما أدبر أمور عائلتي. ثمة احترام وتقدير متبادل وجدية يفرضها واقع العمل و متطلباته.

قدمت اقتراحات كثيرة لإدارة الفرقة أثناء الاجتماعات التحضيرية للاحتفال بمئوية المسرح التونسي، هل تم أخذها بعين الاعتبار؟

قدمنا بعض المعارض وبرمجة العروض المسرحية في المسرح البلدي تكاد تكون يومية، ونستعد حاليا لبرمجة عروض مهرجان المدينة، وفرقة مدينة تونس لديها في هذا الصيف العديد من العروض ضمن المهرجانات الصيفية.

وبالنسبة لتأليف كتاب توثيقي يؤرخ للحركة المسرحية التونسية منذ 1909.

الكتاب تولت وزارة الثقافة والمحافظة على التراث مهمة إعداده، وتم توزيع كتاب جديد بعنوان «قرن من المسرح التونسي»، ولكن بصراحة أتمنى أن نؤرخ للمسرح بكل أمانة تاريخية، لان مهمة المؤرخ أن يحفظ الذاكرة لا أن يتعامل مع أسماء ويلغي أسماء أخرى أو يتجاهلها أو حتى يذكرها عرضا. وقد حز في نفسي خلال الاحتفال بمئوية المسرح التونسي أن ينسى الجميع المرحوم عبد اللطيف الحمروني وعمر خلفة.

هل طلقت السينما في السنوات الأخيرة؟

بل هي طلقتني. زمان قدمت أعمالا كثيرة، وحتى الفيلم المصري الذي قدمته إلى جانب محمود ياسين بقي في الذاكرة، ولكن حاليا المواضيع تغيرت وواقع السينما تغير أيضا.

على ذكر السينما المصرية هل تتابعين أخبار ممثلاتنا في مصر هند صبري و«درة زروق»؟

درة مازالت في بداياتها وتحتاج إلى صقل موهبتها، هي بمثابة الوردة تحتاج من يسقيها، وهند حلوة «برشة» فرضت نفسها بثقافتها وموهبتها.

تونس - بسمة بوذكري