تحيي باريس عاصمة الموضة سهراتها بمجموعة رائعة من الفساتين ذات اللون الأسود، الذي عاد من جديد ليتربع وبقوة على عرش فساتين السهرة .
(الحواس الخمس) تجول في هذه السهرات التي أكدت أن اللون الأسود سيد الألوان وأهمها على الإطلاق، وأنه دائماً يتربع على عرش الموضة في كل وقت وأن الجميلات يختبئن وراءه لإبراز أنوثتهن وجمالهن. في عالم الموضة، كما في أمور أخرى، تتواطأ الظروف أحياناً لتحول إبداعاً يبدأ بفكرة عادية إلى أيقونة لا تنسى إلى الأبد تتعدى كونها مجرد قطعة أساسية إلى قطعة أسطورية، وليس أدل على هذا من الفستان الناعم الذي أبدعته كوكو شانيل في العشرينات من القرن الماضي، ويحتفل حالياً بمرور 83 عاماً على ولادته. عند تصميمها له، انطلقت كوكو شانيل من فكرة «لئيمة» إن صح القول؛ فكرة ظاهرها التمرد على التقاليد وتقديم الجديد، وباطنها السخرية من الطبقات المخملية التي كانت حتى ذلك الوقت تميل إلى الفساتين الطويلة والمعقدة، مدفوعة برغبة دفينة في تكسير الطبقية الاجتماعية التي كانت سائدة في كل مناحي الحياة، بما فيها الموضة.
فكوكو لم تتحدر من أسرة ميسورة، بل العكس تماماً، حيث ربيت في أحد الملاجئ بعد وفاة والدتها، وعانت التمييز الطبقي بينها وبين فتيات المجتمع الأرستقراطي، وعندما شبت انتقمت لنفسها من خلال نجاحها في أن تكون نفسها، وتحيطها بهالة جعلت الحديث عن هذه الأصول غير وارد أو مناسب. أما القول بأن فكرة ولادة هذا الفستان «لئيمة» نوعاً ما، فيعود إلى أنها استوحته من الزي الأسود القصير الذي كانت تلبسه الخادمات آنذاك، لكنها طورته وباعته بذكاء للمرأة العصرية، وخصوصاً الأميركية التي بدأت في تلك الفترة تطمح إلى الأناقة الباريسية، مسلحة بقدرتها الشرائية الهائلة. فحتى ذلك الوقت كان الفستان طويلاً وكان اللون الأسود يكاد يقتصر على مناسبات الحداد، لكن في عددها لشهر نوفمبر 1926 نشرت مجلة «فوغ» النسخة الفرنسية رسماً للفستان الثوري تحت عنوان «زي المرأة العصرية الأنيقة». الفستان الأصلي كان خالياً من التطريزات، ومن دون أزرار لافتة أو ما شابه من تفاصيل، لكنه كان بسيطاً من قماش الكريب بياقة عالية وأكمام ضيقة ويصل إلى الركبة. فكما نعرف عن كوكو نفورها من التصميم القصير، انطلاقاً من قناعتها بأن كشف المرأة عن ساقيها وركبتها ليس مثيراً أو جميلاً.
لا داعي للقول إن المرأة العصرية عانقت التصميم الجديد بالأحضان، لكن خبيرات الشراء الأميركيات هن من نقلنه إلى العالمية، بعد أن لمس وتراً حساساً لديهن، فما كان منهن إلا أن حملنه إلى بنات جلدتهن اللواتي كن متعطشات للتحرر من قيود التفاصيل الكثيرة، ووجدن فيه زياً يلبسنه ويتألقن فيه، وهكذا ولدت أسطورة الفستان الأسود الناعم. كما هو الأمر بالنسبة لكل جديد، فإن بساطته لم ترق للجميع، خصوصاً للمصممين الذين كانوا يؤمنون بالفخامة وما تتضمنه من تعقيدات تميزها عن باقي الأزياء الموجهة ل«البروليتاريا»، نذكر من هؤلاء على سبيل المثال، المصمم بول بواريه، الذي قضى عليه أسلوب كوكو البسيط وأدى إلى إفلاسه بعد فترة قصيرة. كما نشرت صحيفة فرنسية أخرى تصف الفستان: «وداعاً للصدر، وداعاً للخصر وداعاً للردف». لكن ما لم يفهمه المسؤول عن هذا النعي الصحافي، أو بول بواريه وأمثالهما، أن هذه الصفات هي التي باتت مطلوبة في ظل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الأولى.
نجمات الفن السابع وراء تألق الفستان الأسود
بساطة الفستان الأسود الذي ابتكرته مدام شانيل شكلت أرضية مثالية لخلق مظهر مختلف ومتجدد، وسرعان ما تعدت استعمالاته من مناسبات النهار، إلى مناسبات المساء والسهرة والكوكتيل.
لكن الحقيقة أن الفستان لم يصل إلى أوج قمته، إلا على مقص المصمم هيبار جيفنشي وعلى جسم ملهمته النجمة أودري هيبورن. فهذه الأخيرة لبسته في فيلمي «سابرينا» ثم في «إفطار في تيفاني» لتعزز أسطورته وتزيد من كاريزميته وتحوله إلى تحفة تاريخية على غرار اللوحات الفنية وقطع المجوهرات النادرة.
أكثر ما يؤكد تحدي الفستان للزمن أنه لم يقتصر على جيل من النساء ولا على جيل من المصممين، ففي كل مناسبة، يحاول مصمم آخر أن يضفي عليه من شخصيته وأسلوبه، لكن من دون أن يلمس الهيكل الأساسي كما تصورته كوكو. والحقيقة أن بعضهم يتفوق وبعضهم يهيم من غير هدى، خصوصاً عندما تزيد التفاصيل والزخرفات عن حدها.
ومن جانب آخر فقد أشار خبراء الموضة إلى أن فستان السهرة الطويل الذي يصل إلى كعب الحذاء والذي يضيق عند الأرداف وينسدل باتساع طفيف يتميز بأنه يخفي معظم العيوب، فاختيارك السهل والأفضل دائماً يكون بارتداء فستان من قماش ناعم مثل الحرير أو الكريب أو الساتان أو الشيفون الثقيل.
تصميم
كوكو شانيل ابتكرت تصميمها الثوري للنهار، على أن تنسقه صاحبته حسب شخصيتها حتى تكسر شكله الموحد، فهي مثلاً كانت تلبسه مع عقد بصفوف متعددة من اللؤلؤ، وبالتالي كانت وراء نشر موضة مجوهرات الإكسسوارات مع الفستان.
دبي- رشا عبد المنعم



