«بول بلارت: حارس المول ـ Paul Blart: Mall Cop»، فيلم كوميدي بسيط يخاطب جميع الناس على كافة المستويات، وأسلوب البساطة الذي اعتمده هو أصعب الغايات التي ينشدها أي فنان بعكس ما يتصور البعض، وأثمرت هذه البساطة بالفعل النجاح المنشود للفيلم، حيث تكلفت ميزانيته ستة وعشرين مليون دولار، وحقق إيرادات ضخمة بلغت ما يزيد عن مائة وستة وسبعين مليون دولار، بل واحتل أحد مقاعد قمم الإيرادات على مستوى السينما الأميركية والعالمية لعام 2009.
مخرج الفيلم ستيف كار صاحب الخبرة في تقديم أفلام كوميدية عائلية، منها «هل انتهينا» عام 2007، و«دوليتل 2» عام 2001، وكتب السيناريو كل من كيفن جيمس ونك باكاي وستيف بنك، وقدم شخصية حارس المول السمين «بول بلارت» الممثل الأميركي كيفن جيمس، الذي نجح في الإلمام بمفاتيحها، فهو دائما الشخص الذي يتوقع منه الجميع الفشل، خصوصا في نتيجة الاختبارات النهائية لوحدة التدريب بأكاديمية الشرطة بولاية نيو جيرسي، فزملاؤه ورئيسه ووالدته «شيرلي نايت». وابنته المراهقة السمراء الصغيرة «مايا» «ريني رودريجز»، يعرفون جميعا أنه لن ينجح في هذه الاختبارات من الناحية البدنية مهما فعل، لوزنه الزائد عن الحد المطلوب، كما أنه يصاب بنوبات متتالية من إغماءات السكر إذا لم يتناول الحلوى كل عدد محدود من الدقائق، وقد أوهمنا المؤلف الموسيقي وادي واشتل من خلال قطع الموسيقى الحماسية المتصاعدة، أن اللحظة الحاسمة قد حانت لمقابلة البطل المرتقب أخيرا، لكن ما إن بدأت كاميرات مدير التصوير راس تي.
ألسوبروك تعكس على الشاشة الكبيرة ما سجلته، حتى اكتشفنا مدى ثقل بول بلارت، وعاصرنا لحظات نجاحه القصيرة جدا في أداء بعض التمرينات بكل قوة وإصرار، قبل أن يهوي على الأرض فجأة كسيارة الرمال المقلوبة، ويروح الطالب المجتهد في سابع نومه منهارا نهارا بين الجميع. تتناول أحداث الفيلم قصة بول بلارت الذي يعمل منذ سنوات واحدا من حراس الأمن في المول التجاري الضخم، لا يهتم بحياته العاطفية أبدا رغم نصائح والدته وابنته، لأنه لا يرى نفسه كفئا لاجتذاب أي فتاة، التي إما لن تنجذب إليه من الأصل أو ستتركه إن آجلا أو عاجلا تماما مثلما تركته زوجته والدة ابنته مايا، التي اكتشف أنها تزوجته فقط لتحصل علي تصريح الإقامة والجنسية الأميركية بصفتها مهاجرة غير شرعية.
ورغم أننا نضحك مع بول بلارت وسذاجته، لكن هذا لا يمنعنا أن ندقق النظر جيدا في مجموع مشاهد اختبارات الشرطة، ومجموعة المشاهد المنزلية بين بول بلارت وعائلته الصغيرة، لندرك أن المخرج وكتاب السيناريو يؤسسون كوميديا الشخصية وكوميديا الموقف والقليل من الكوميديا اللفظية التي تأتي تقريبا في المرتبة الأخيرة، وهو ما يعني تقديم كوميديا بصرية إيجابية تزيد من قوة العلاقة بين المتلقي وبين الفيلم وبطله. وفي إطار المزيد من الإبهار والضحك ولأننا اعتدنا في أفلام المغامرات الأميركية وغيرها، على استخدام وسائل التنقل المعتادة في المطاردات، مثل العدو والسيارات والطائرات وخلافه، لكن الحل المرح الذي يقدمه الفيلم هنا هو استخدام حارس الأمن وسيلة السكوتر للتنقل بين أرجاء المول التجاري.
وقد وظفه المخرج ليحقق به عدة أهداف كوميدية مجتمعة، أولها وأهمها تسهيل وتسيير حركة بول بلارت بين أنحاء المول التجاري الضخم جدا لتوفير الوقت واختصار الزمن واختزال المسافات، وأيضا حتى لا يصاب مونتاج جيف فريمان بالسكتة القلبية الفنية وهو ينتظر حركة بول بلارت من مكان إلى آخر.
كما أن مجرد تصور سير بلارت بهذا الجسد الضخم فوق السكوتر المسكين الصغير أمر يثير الضحك في حد ذاته، خاصة أن بلارت يتحكم تماما في قيادته بفعل الخبرة، ويؤدي به عدة دوائر قصيرة وبعيدة المدى تترجم تردده في قراراته، فيذهب ويعود ثم يبتعد ويعود قبل أن يتجرأ أخيرا على سبيل المثال، ويفتح باب الحديث مع الجميلة إيمي جاياما مايز صاحبة محل الزينة في المول التجاري نفسه، كما حاول صناع الفيلم توظيف السكوتر وراكبه في توليد الكوميديا المتواصلة على خلفيات موسيقى مرحة وأغان خفيفة.
وتأتي لحظة التحول الدرامية مع دخول عصابة منظمة المول التجاري، يتزعمها حارس الأمن الجديد المزيف فيك سيمس (كير أودونيل)، وتتولى طرد كل الزبائن بالقوة للاستيلاء على ثلاثين مليون دولار والهروب بها، ومن سوء الحظ أن بعض العاملين في المول لم يستطيعوا الفرار مثل إيمي وستيوارت، لكن من حسن الحظ أيضا أن حارس الأمن بول بلارت لم يغادر المول هو الآخر، وهذا في الواقع ليس من باب الشجاعة.
وإنما كان البطل مشغولا باللعب على الأجهزة في أحد المحلات، والغناء بصوت عال جدا والعزف على الجيتار من باب التسلية وإثبات الذات، لينتهي من وصلته الغنائية المبهرة وينظر إلى الخارج فلا يجد أي إنسان في المكان، لكن إذا كان قرار بلارت بالبقاء في المول جاء في البداية بالمصادفة، فقد أصبح في المرة الثانية عن قصد تماما عندما اكتشف أن حبيبته إيمي محتجزة رهينة في الداخل، ومن ثم يقرر التضحية بنفسه وإنقاذها بكل الطرق مهما فعل.
وكانت لقطات المطاردات والمغامرات في نهاية الفيلم، دليل درامي بصري قوي على مدى المنطقية التي يتعامل بها الفيلم في تصميم المشاهد وتنفيذها، والانتقال من هنا إلى هناك بدوافع هادئة تلقائية تماما، كما أن مواجهة حارس الأمن بول بلارت لأفراد العصابة الكثيرين المسلحين المدربين، هو انتقال مباشر للشخصية من خانة السلبية إلى خانة الفعل، وهو ما كان ينقص بلارت من البداية، لأنه أخيرا اتخذ قرارا وينفذه جديا بكل ثقة، هذا هو هدف الفيلم ورسالته التي وصلت إلى قلوب المشاهدين ببساطه ممزوجة بكثير من الضحك.
الفيلم: بول بلارت ـ حارس المول
إخراج: ستيفن كار
سيناريو: كيفن جيمس، ونك باكاي، وستيف بنك
بطولة: كيفن جيمس، جاياما مايز، وشيرلى نايت
الأستوديو: كولومبيا بيكتشرز
التصنيف: كوميدي
مدته: ساعة و27 دقيقة.
دبي - أسامة عسل



