استمراراً لحالة الأخطاء التي ترتكب باسم الدارما في حق التاريخ نالت الدكتورة لميس جابر الهجوم الأكبر عن مسلسلها «الملك فاروق» واتهمت بتزييف التاريخ والترويج للملكية، أكدت أن الحقائق التاريخية لا يمكن أن تخضع أبدا لوجهات نظر مختلفة، لكن تحليلها هو الذي يخضع للاختلاف والمشكلة دائما في نقل الوقائع التاريخية بأمانة.

وقالت لميس إن كتابة التاريخ تحتاج إلى صبر وبحث ودقة ـ ليس اعتمادا على الشخصيات التي تصنع الأحداث وحدها، ولكن من خلال شهود العصر في كتابة التاريخ الحديث، أو من خلال الروايات أو الكتب الموثقة التي تتناول التاريخ القديم، وهذا ما يدعوني لمناداة المؤرخين والكتاب عموما بعدم الاعتماد على مصادر محدودة، ولكن العمل على تكثيف البحث عن مصادر كثيرة للوصول إلى رؤية تعبر عن الأحداث الحقيقية أو على الأقل تكون الأقرب لها. المخرج إسماعيل عبد الحافظ يؤكد بداية أهمية الدراما التاريخية، مشيرا إلى أنها تلعب دورا مهما في ربط الأجيال الجديدة بتاريخهم، لكنه شدد على الأهمية القصوى لالتزام الحياد والموضوعية في تناول هذه الأعمال، فلا نظهر من يتناولهم العمل كما الآلهة المنزهين عن الخطأ، كما لا نتحامل عليهم أكثر من اللازم وفقًا لأهواء أو أغراض شخصية.. مشيدا في هذا الصدد بمسلسل «ناصر» الذي لم يتخذ أي موقف متحيز من أي حدث أو شخص، والأحداث تدلل على إنصاف كل الأطراف بما لها وما عليها وفق مصادر مؤكدة وموثقة.

يرصد الكاتب المصري الكبير أسامة أنور عكاشة كثيرا من الأخطاء في أغلب المسلسلات التاريخية خاصة مسلسل «العندليب» و«السندريلا»، وقال إنهما لا يمتان إلى أدب السيرة الذاتية بصلة. وقال عكاشة: في مجال الأعمال التاريخية رأيت أعمالاً جيدة من حيث الإخراج والأداء الدرامي، ولكن هناك أخطاء تاريخية تفرض علينا إعادة قراءة التاريخ من جديد، وأضاف: كل الأعمال التاريخية دينية أو سير ذاتية تتسم بالأخطاء التاريخية في المواقف والشخصيات والإكسسوارات؛ لكن أكثر ما يؤسف له أن الأخطاء الجسيمة نجدها في التاريخ المعاصر رغم وجود شهود على هذا العصر، ورغم امتلاء الأسواق بكتب ووثائق حقيقية عن فترات مهمة في العصر الحديث.

وأشار عكاشة إلى أن مثل هذه الأعمال بشكلها الراهن ومن حيث ابتعادها عن الحقائق الموثقة بمثابة تشويه للتاريخ، وبالتالي لا يمكن أن نتعامل مع هذه الدراما التاريخية كوثائق تاريخية أو مرجعيات تاريخية للأجيال الراهنة والقادمة.

وفي رأي الباحث أشرف العربي فإنه لتدارك الأخطاء في الأعمال الدرامية التاريخية لا بد أن تقوم بمثل هذه الأعمال جهات قادرة على الإنفاق عليها بسخاء لأن الكثير من الأعمال مليئة بالأخطاء، وذلك يرجع إلى أن القائمين بإنتاجها يبخلون بالصرف عليها، ومن أهم ما يحتاج إلى الصرف البحث عن مصادر موثقة من خلال كتب أو مؤرخين مهما كلف الأمر من أموال أو السفر إلى مناطق الأحداث التاريخية نفسها.

وهناك قد تتوفر أمامهم كثير من الظروف للوصول إلى الحقائق، ومعرفة الإكسسوارات والديكورات والملابس التي يفترض أن يتعاملوا معها، ويمكن استيرادها، ومن هنا نستطيع أن نصنع أعمالاً يمكن أن نعتمدها كوثيقة تاريخية أو مرجعية فيها إضافة للتاريخ.

ولكن ما هو شائع في أمر الإنتاج العربي للأعمال التاريخية غياب الجهات المسئولة عن متابعة العمل ومشاهدته على الأقل بعد اكتمال تصويره، وإذا نظرنا للواقع تجد حتى الشخصيات التاريخية في فترات حديثة تشهد خلافات كبيرة مع الورثة الذين دائمًا ما يرفعون دعاوي قضائية لوقف العمل فكيف التعامل مع شخصيات أو أحداث مرت عليها قرون من الزمان.

البعض يحاول التزييف

الناقد والمؤرخ محمود قاسم أرجع أخطاء الأعمال التاريخية عموما سواء درامية أم سينمائية لمحاولات ربطها بمواقف سياسية بأي شكل، ولذلك نجد أي أعمال ارتبطت بالسياسة لم تخل من الأخطاء، خاصة في المواقف الواقعية، وقال: هناك الكثير من هذه الأعمال قد شهد جدلاً مثيرا وضع المشاهد في حيرة من يصدق وإلى أي رأي يستند؛ خاصة أن أغلب الذين أثاروا هذا الجدل كانوا يحاولون تزييف التاريخ حسب مصالحهم أو رؤيتهم المنحازة لأطراف محددة، ولذلك لا بد من كتابة التاريخ بصدق وعدم مخالفة الحقائق لأي سبب إذا كان سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا.

وشدد قاسم على أنه لا بد من وجود لجان أو متخصصين لقراءة الموضوع ومتابعته خلال التصوير الذي يمكن أن يغير أيضًا لأي حقيقة من حقائق التاريخ، وفي حالة حدوث ذلك فإنه يمكننا في وقت قريب أن تكون لدينا القدرة على إنتاج دراما تاريخية يمكن أن نعتمدها كوثيقة تاريخية موثقة.

المخرجون لا يجتهدون

أما الناقدة ماجدة خير الله فتقول إن المسلسلات التاريخية تفتقد التوثيق، خاصة أن مسلسلات الفترة الأخيرة استندت إلى الإعلان والتسويق؛ ولذلك فإن الأخطاء وجدت طريقا سهلاً في أغلب الأعمال الدرامية، خاصة في الأحداث التي يقوم عليها العمل، بل تشهد هذه الأعمال في بعض الأحيان مغالطات ومتناقضات كثيرة يلحظها بسرعة المؤرخون والباحثون، ولكن للأسف الشديد إن المشكلة في الجمهور الذي يصدق العمل ويعتبره قمة الحقيقة ظنا منه أن الشركات المنتجة والقنوات لا يكذبون ويحرصون على إيجاد الحقائق كاملة في أعمالهم.

وأشارت إلى أن أغلب المخرجين والمنتجين يعتمدون في إكسسوارات المسلسل بالتقريب مع أن التاريخ حدد شكل الأماكن وشكل اللبس ونوعه، ولكن هم لا يجتهدون في البحث، ومقارنة الوثائق وكتب التاريخ والمراجع التي تضم أغلب أسرار الشخصيات أو الأحداث التاريخية، كما حدث في مسلسل «أسمهان»، فعند وصولها إلى مصر صورها المسلسل على أنها كانت رحلة سهلة وبسيطة، وذلك غير الأخطاء الفادحة في إكسسوارات المسلسل، وهذا يؤكد أن القائمين على المسلسل لم يستعينوا بمؤرخ فني وآخر سياسي لمراجعة الأحداث.

أعمال تاريخية أثارت جدلاً

السندريلا، العندليب، علي مبارك، ناصر، الملك فاروق، خالد بن الوليد، عبد الرحمن الداخل، ربيع قرطبة، عن المنصور بن أبي عامر، ملوك الطوائف، إمام الدعاة، فارس بلا جواد.وهناك عمل مصري في الطريق بعنوان «صدق وعده»