«بيت العود العربي» بدا في نظر الكثيرين مجرد فصل دراسي لتدريس آلة العود، حيث تعامل معه الجميع في مراحله الأولى دون تركيز برغم أنه أُنشئ بالتعاون بين الموسيقار العراقي نصير شمة ودار الأوبرا المصرية، لكن مع النشاط الملحوظ للبيت، والذي شهد اهتماماً إعلامياً كبيراً سواء داخل مصر أو خارجها برزت الفكرة بشكل أكبر، مدعومة بتوضيحات كثيرة من الموسيقار نصير شمة.
والذي كانت نظرته أبعد عندما تبلورت فكرته كمؤسس لبيت العود بضرورة أن يتخصص الطالب الراغب في دراسة آلة العود بشكل كلي في الآلة التي يحبها حتى تصبح نظريات الموسيقى متداخلة في العزف على العود، واستنباط واستكشاف ما يمكن أن نسميه بعلم العود من خلال امتلاك تقنيات العزف والمدارس المختلفة للعود حتى يتمكن الطالب من خلق منهجية لنفسه.يعرف نصير شمه- مؤسس البيت- آلة العود بأنها من الآلات الوترية العربية ولها خمسة أوتار ثنائية، وتتكون من عدة أقسام: ظهر العود، والصدر أو الوجه الذي به فتحات قمرية تساعد في زيادة رنين الصوت وقوته، ويستخدم الفرس مربط الأوتار قرب مضرب الريشة والرقبة، وهو المكان الذي يضغط عليه العازف على الأوتار؛ كما تحتوي الآلة على 12 مفتاحاً لشد أوتار العود.
من هذه الآلة بدأ «بيت العود» نشاطه العام 1998 الذي اختار «بيت الهراوي» الأثري مقرًا له، وانطلق بقوة وبرز بشكل لافت عند تخريج أول دفعة منه ليدرك الجميع أن المشروع لم يكن مجرد حلم من الخيال، وإنما أصبح واقعاً مؤثراً في مسار الموسيقى العربية.
خصوصاً أن الدخول إلى «بيت العود» كمدرسة لها منهجها الخاص أصبح مفتوحاً أمام الراغبين من سن السابعة وحتى سن السبعين، وهناك بالبيت ثلاث مدارس لآلة العود معروفة جداً، وهي المدرسة التركية والعراقية والشرقية، وإن كانت مصر تقع ضمن المدرسة الشرقية حيث تتميز بالتطريب والريشة المتواصلة.
أنواع العزف
يقوم «بيت العود» على دراسة التقنيات في أنواع العزف المختلفة يستخدم فيها الطلاب أقصى ما عندهم من مهارات وأساليب في الأداء والتلوين، معتمدين على دراسات كبار عازفي العود في العالم العربي، ومؤلفاتهم التي أضافوا من خلالها كثيراً لمسيرة العود.
لكن «بيت العود» لم يكن وقفاً على تدريس آلة العود، وإنما يشمل عدداً من الأقسام يقوم البيت بتدريسها منها الناي والقانون والإيقاع، كما يستقدم «بيت العود» أشهر العازفين المصريين وغيرهم من شتى أنحاء العالم لتقديم تجاربهم للطلاب، ليس هذا فقط بل يقوم خريجو «بيت العود» بتقديم أعمالهم في كل دول العالم من خلال عزف منفرد أو مع بعض المطربين الذين يقومون بأداء أغنيات تعتمد على قدرات وإبداعات عازف العود.
وبالرغم من تقديم طلاب وخريجي «بيت العود» أعمالهم في العديد من الدول الأوروبية والعربية والولايات المتحدة الأميركية، إلا أن المعهد العربي في باريس استقبل الكثير من المميزين من خريجي «بيت العود» لتقديم أعمالهم في هذا المعهد الذي لم تطأ أي قدم مسرحه إلا المشاهير والمميزين في شتى أنحاء العالم.
قيم موسيقية
من أهم أهداف «بيت العود»، كما يقول مؤسسه نصير شمة، خلق قيم موسيقية تضيف إلى مسيرة العود، ولذلك اهتم «بيت العود» بدراسات مؤلفات الأساتذة الكبار في مجال تلك الآلة، حيث قام البيت بوضع هذه المؤلفات كمناهج تدرس في بيت العود منها مؤلفات الشريف محيي الدين وسالم عبد الكريم وجميل بشير ورياض السنباطي وفريد الأطرش ومحمد القصبجي ومحمد عبدالوهاب ومسعود جميل بك، كما لم نغفل مجهود عازفي العود المعاصرين في كل الدول العربية.
وأشار أن بيت العود اهتم أيضا بإيجاد حلول عملية للمشاكل التي تواجه الدارسين، إضافة إلى الاهتمام بالإعداد النفسي والثقافي للعازف حتى يصبح صوليست متميزاً على آلة العود.
ومن أهم الأساسيات التي تؤهل دارسي آلة العود، كما يقول نصير شمه، والتي يتوجب على عازفي العود أن يضعها في اعتباره ويكون حريصاً عليها كهم رئيسي هي ضرورة أن يخضع الطالب لأستاذ في هذا المجال، وأن يكون ملماً بجميع أساليب وتقنية الريشة والأصابع وأن يتفرغ لسماع مختلف ضروب الموسيقى وفنونها.
سحر خاص
ويضيف شمة: «هذا يعتبر جزءاً مهماً في تخصيب الشخصية الموسيقية وأدائها على نحو خلاق»، وأضاف: «طالما درب الإنسان نفسه على الإنصات الواعي إلى الموسيقى نضج ذهنه لاستقبال عوالم موسيقية بكر ومختلفة»، لافتاً أن لكل موسيقى سحرها الخاص؛ فمثلاً الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية تكمن قدرتها في هندسة الروح، وفي تنظيم حياة الإنسان من الداخل.
وكذلك هناك بعض أنواع الموسيقى اليونانية تتسم بأنها تمنح الإحساس بالقوة والرقص والنشوة والمرح، ولذلك نستطيع أن نؤكد أن لكل موسيقى سماتها وشخصيتها، وبالتالي إذا ألم طالب «بيت العود» بكل هذه الألوان الموسيقية وتجريب أجزاء منها سيكون العائد عازفاً مؤهلاً ومليئاً بالإبداع.
كيف تصير عازفًا؟
واستكمالاً لهذا الحديث عكس نصير شمة تجربته في بداية دراسته العود، قائلاً: «كنت أدرس 14 مادة في المعهد منها مادة واحدة تتعلق بآلة العود، وهذا جعلني أتساءل: كيف أصير عازفاً وسط هذا المناخ المثقل بالمناهج الدراسية، ولذلك فكرت في تأسيس كيان لآلة العود، وبدأتُ ببغداد حيث أسست شيئاً أشبه ببيت العود، ولكن الحرب العراقية- الإيرانية أطاحت بالفكرة.
وغادرت إلى تونس وأنا أحمل حلمي بتأسيس «بيت للعود»، وحاولت تنفيذها في تونس، ولكنها لم تنجح، وجئت بعدها إلى مصر فتحقق حلمي وأسست «بيت العود» بالتعاون مع دار الأوبرا المصرية وصندوق التنمية الثقافية، وتخرج فيه حتى الآن عشرات من الطلاب وأصبحوا قمة العازفين المهرة على آلة العود».
وأشار إلى أن «بيت العود» لا يزال يستضيف عازفين من دول مختلفة كضيوف على البيت يقدمون خبراتهم وإنجازاتهم، وكذلك لقاءات يشارك فيها جميع أعضاء البيت من أساتذة وطلاب يقدم خلالها كل أستاذ رؤيته في رسم وملامح برنامج موسيقي ناجح على أن يقدمه ويقوده بنفسه، كما يستضيف البيت كبار الفنانين من مختلف الجنسيات للحديث في شؤون الموسيقى وثقافتها وطرح التجارب المختلفة ومناقشتها.
ملتقى عالمي
إلى هنا يكشف الموقع الإلكتروني ل«بيت العود» عن أن البيت يخطط حالياً لإقامة الملتقى الدولي ل«صناعة وعزف العود»، والذي ينظمه ويستضيفه صناع وعازفو العود من كل أنحاء العالم على أن يقام كل عامين لبحث وتطوير الصناعة وأساليب الأداء وتناقل الخبرات.
القاهرة - دار الإعلام العربية

