ربما من أهم أسباب انتعاش السينما الأميركية المتجدد، يكمن في تعدد وتنوع اتجاهات أفلامها، فضلا عن جرأة بعضها، وقدرتها على تقديم معلومات، وتحليل ونقد كل أجهزة الدولة السيادية والسياسية بما فيها أهمها جهاز المخابرات، الذي يشكل ركيزة قوية لفرض سطوة السيطرة على الآخرين.

ومن هذه النوعية تأتي أفلام الجاسوسية، التي تتمتع غالبا بمذاق خاص يجمع بين المتعة والتشويق وأحيانا الأطروحات السياسية، فأجهزة المخابرات في أي مجتمع تلعب أدوارا شديدة الأهمية والخطورة والكشف عن تفاصيل بعض العمليات التي تقوم بها أجهزة المخابرات في أي بلد كان، حيث تظل معظم العمليات والمهمات المخابراتية سرا مدفونا. وكثيرا ما تذهب مع أصحابها إلى قبورهم، وفي حالات نادرة جدا يتم الإعلان عن بعضها عندما تسمح الأجهزة بالكشف عنها، ولكن هذا يتم في أضيق الحدود عندما تتباهى دولة ما بنجاحها في زرع عميل لها داخل أجهزة بلد معاد، مجرد استعراض قوة وحرق دم وربما حرق للعميل أيضا.والسينما الأميركية تقدم بين الحين والآخر أفلاما تدور عن عمليات قامت أو تقوم بها المخابرات الأميركية، بعض هذه الأفلام مأخوذ عن روايات نسجها خيال مؤلف، وبعضها له مرجعية وثائقية، وكلا النوعين لا يخلو من عناصر التشويق والمتعة.

وفيلم «احرقه بعد قراءته - Burn after readingz»، من هذا النمط الذي يدور عن عمليات أو شخصيات تعمل لحساب المخابرات الأميركية «CIA»، وعبارة احرقها بعد قراءتها، عبارة شهيرة جدا في عالم الجاسوسية، حيث يتم توجيه التعليمات للعميل، عن طريق رسالة قد تكون مكتوبة أو مسجلة على قرص مدمج، أو شريط تسجيل وتكون التعليمات هي حرق الرسالة بمجرد قراءتها مراعاة للسرية وحتى لا تقع تلك الرسالة في يد شخص آخر.

فيلم «احرقه بعد قراءته» قدمه الأخوان كوين «جويل وإيثان كوين» اللذان حققا نجاحا ملحوظا من خلال فيلم «لا وطن للعجائز»، الذي حصد أكثر من جائزة أوسكار، وفيلمهما عن الجاسوسية، أحد النماذج الصارخة والأكثر وضوحا لأسلوب الأخوين كوين، فهو يدور حول جريمة أو عدة جرائم قتل غير مدبرة تغلفها غلالة من السخرية القاتمة، تبدأ الأحداث بخطوات تسير بعصبية على أرضية ممر رخامي طويل في مبنى المخابرات المركزية الأميركية، يدخل صاحبها مكتب رئيسه الذي استدعاه للتحقيق معه أمام جمع من العاملين بالجهاز.

وفي هدوء ألقى الرجل بتهمته في وجه العميل أوسبورن كوكس أو «جون مالكوفيتش»، أنت تفرط كثيرا في شرب الخمر، وهنا انتفض أوسبورن واقفا في عصبية وأدرك أن هناك محاولة لإقصائه عن عمله أو دفعه للاستقالة، وقال غاضبا وهو يخرج من مكتب رئيسه، إنكم تصلبونني قولوها بصراحة، ثم خرج غاضبا.

بعد خروجه من العمل في جهاز المخابرات، قرر أوسبورن الاستفادة من خبراته وذكرياته في هذا المجال، وبدأ في تسجيل مذكراته على اسطوانة مدمجة استعدادا لطرحها في كتاب، ولأن الصدف تلعب دورا كبيرا في معظم أفلام الأخوين كوين، فإن زوجة أوسبورن التي كانت تنوي الحصول على الطلاق، تبحث عن أي بيانات يكون قد سجلها عن مصاريفه ودخله السنوي لترسلها لمحاميها الخاص، ولكنها تنسخ دون قصد بعضا من تلك المذكرات التي كان يسجلها، وترسلها إلى مكتب المحامي، وتتسلمها سكرتيرة المحامي، التي تتردد على ناد صحي (جيمانيزيوم)، ويسقط منها القرص المدمج «أسطوانة السي دي» هناك.

وعن طريق الصدفة أيضا يقع القرص المدمج في يد، تشاد فيلدهايمر «براد بيت» وهو أحد العاملين في النادي الصحي ومدرب ألعاب، يفتح القرص المدمج ويتعرف على محتواه ويدرك أنه وقع على كنز، ويهرع إلي زميلته المهووسة ليندا «فرانسيس ماكدورمان» التي تعتقد أن الحياة منحتها فرصة العمر بالعثور على هذا الكنز الذي يضم أسرار عمليات قامت بها المخابرات الأميركية في دول البلقان.

ولأن ليندا تعيش على أمل واحد، يتلخص في إجراء عدة عمليات تجميلية لإعادة تشكيل جسدها والعودة به إلى سنوات الشباب، فإنها تبدأ مع زميلها وصديقها عملية ابتزاز لرجل المخابرات السابق ولكن الرجل يتجاهل محاولة الابتزاز، مما يدفع ليندا وزميلها للتوجه إلى السفارة الروسية للتفاوض على بيع تلك الأسرار. ولكن الحكاية تزداد تعقيدا، بدخول شخصية هاري «جورج كلوني» للأحداث.

وهو عشيق زوجة أوسبورن، وهو نفسه الذي تتعرف عليه ليندا من خلال دردشتها الدائمة على الإنترنت في محاولة للبحث عن رجل يملأ حياتها، وبحسابات شديدة الدقة، تحدث دائرة مغلقة من العلاقات تجمع كل شخصيات الفيلم، دون أن يتكشف لأي من تلك الشخصيات كل الحقائق.

وسيناريو الفيلم الذي كتبه الأخوان كوين يركز على المفارقة، أي معرفة الجمهور لمعلومات تخفي عن الأبطال، وتندمج المفارقة مع المفاجآت التي يلقي بها الفيلم بين الحين والآخر، لأنه اعتمد نماذج بسيطة، ليشير إلى قضايا عميقة تضرب جذور المجتمع وتزعزع علاقاته الأسرية والزوجية في أدق تفصيلاتها.

وحين يصل المجتمع إلى هذا المستوى من الضياع وتصبح المرأة تبحث عن صديق بالانترنت والزوج لا يعلم ماذا يحصل في بيته تبدأ الدولة بالاهتزاز، لأن مؤسساتها غبية وعاجزة وتنقصها الخبرة ولا تمتلك ذلك الذكاء الذي يساعدها على فهم الأمور وكيف تجري ولماذا تتجه نحو التفكك والتمزق.

تدور معظم أفلام الأخوين كوين في إطار الكوميديا السوداء التي تؤكد أن شر البلية ما يضحك، حيث تنجم كل الكوارث عن فكرة محاولة شخص ما اغتنام فرصة للثراء، ويكون هذا بابا يدخله إلى الجحيم، حيث يخسر حياته نفسها، مقابل ثروة لا يستمتع بها في معظم الأحوال، ويجتمع في هذا الفيلم عدد كبير من نجوم الشباك في السينما الأميركية، منهم جورج كلوني وبراد بيت اللذان سبق لهما المشاركة في سلسلة أفلام عصابة «أوشن».

بالإضافة للممثل جون مالكوفيتش، والممثلة تيلدا سوينتون الحاصلة على أوسكار أفضل ممثلة ثانية عن فيلم «مايكل كيتون» عام 2007، بالإضافة للممثلة فرانسيس ماكدورمان الحاصلة على أوسكار أفضل ممثلة عن فيلم «فارجو» للأخوين كوين في عام 1996، وهي زوجة جويل كوين الأخ الأكبر لإيثان وشريكه في كتابة وإخراج كل الأفلام التي قدماها سويا.

هذه هي أميركا كما يحاول الفيلم تكثيفها في صور ساخرة ومشاهد ضاحكة، فالناس بسطاء إلى درجة السذاجة وهذا ما يدفعهم إلى المغامرة والتدهور بحثاً عن سعادة وهمية، والأجهزة غبية تمتلك المال والمعدات والعلماء ولكنها تفتقد إلى أذكياء يتمتعون بصفات الإبداع وتجاوز روتين الوظيفة، وبسبب هذه العوامل المتداخلة والغامضة وغير المرئية تصبح المشكلات معقدة .

وغير مفهومة ولا يمكن شرحها أو تفسيرها، فالتفكك الذي يعاني المجتمع منه يرسم صورة دولة تعاني من التفكك، وحين ترتقي المعضلات إلى هذا الدرك السافل في العلاقات تفتح الأبواب على مزيد من التهور وفقدان المسؤولية واللامبالاة ما يؤدي إلى خلل عام وعدم توازن في القراءة أو الإدراك.

من المعروف أن فيلم (احرقه بعد قراءته) عرض في افتتاح مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عام 2008 بمدينة البندقية الإيطالية، ونجح في تحقيق مبيعات تذاكر تجاوزت 60 مليون دولار في صالات العرض السينمائي.

دبي ـ أسامة عسل