غالبيتنا، إن لم نكن جميعنا، نرى الكثير من قطع الأثاث والحوائط في منزلنا أو منازل الآخرين، ولا نتوقف أمامها، لكن الرسامة المصرية جيهان محمد الصباغ، 30 عاماً، لم يدر بخلدها أن تقودها هوايتها التي كانت تمارسها في وقت فراغها إلى الاحتراف، فبلمسة بسيطة من فرشاتها تتحول قطعة الأثاث أو حوائط وأرضيات المنزل إلى تحفة فنية أنيقة مزينة بكل ألوان قزح. «الحواس الخمس» تجول مع جيهان الصباغ في واحة منزلها، وحوار فرشاتها وألوانها.

فن الرسم على الأثاث يتيح إمكانات غير محدودة من الإبداع والابتكار، أو كما تقول الصباغ: هي هواية تتذوق الفن بجمالية خاصة، ومن خلالها يتحول أثاث منزلك إلى تحف رائعة.ومن المعروف أن الفنانين العاشقين للرسم بطبعهم يعيشون في عالم خاص بهم، لا يجادلهم أحد؛ لأن طبيعة الفرشاة كافية بأن تتحدث عنهم، فمن هذا المنطلق عندما تنظر إلى فن جيهان الصباغ تشعر بأنك تذهب معها إلى عالم آخر من الإبداع.وبسؤالها عن الخطوة الأولى في احتراف هذا العمل، تقول: منذ الصغر وأنا أشعر دائماً بأن هناك ترابطاً قوياً يجمعني بالألوان، فهي أكثر شيءٍ أعشقه، لذلك حاولت بقدر المستطاع أن أحافظ على تلك العلاقة الجميلة.

وكانت البداية بقيامي بالرسم على الاسكتشات الورقية، أو بعض قطع الأثاث الصغيرة التي كنت أقتنيها من مصروفي الشخصي، وبعد الانتهاء من الرسم عليها كنت أقوم بإهدائها إلى أصدقائي أو والدتي أو إخوتي في المناسبات المختلفة، فوجدت تشجيعاً منهم وإشادة برسوماتي.

التشجيع الذي لاقته جيهان والموهبة التي امتلكتها دفعاها إلى تدعيم هذه الموهبة بالدراسة الأكاديمية من خلال اختيارها لدراسة الفنون التطبيقية قسم الزخرفة، الأمر الذي حولها من مجرد هاوية للرسم على الأثاث إلى محترفة لها زبائنها من عشاق الفخامة والجمال.

وبرغم أن هناك النقش على الحجر والأيدي والجدران وغيرها، إلا أن الفتاة المصرية اختارت الأثاث كشيءٍ مميز للرسم عليه، وتفسر هي ذلك بقولها: «الأثاث به مساحات واسعة تمكنك من إبراز العديد من الرسومات الدقيقة عليه، وأيضاً التعامل مع هذا الأثاث يحتاج إلى موهبة لتشعرك كل قطعة داخل منزلك بالراحة».

وتعترف بأن الطبيعة هي مصدر إبداعها الأول في الرسم على الأثاث، حيث تقول: «أجد نفسي بشكل تلقائي منحازة للطبيعة، وما تضمه من ألوان وأشجار وورود فكل هذه المفردات تمثل قاسماً مشتركاً في كل رسوماتي».

لا تسير الصباغ بشكل عشوائي فيما تبدعه، بل هناك تقسيمات معينة تسير عليها في رسم أثاث البيت، فمثلاً غرفة النوم لها طريقة خاصة في رسمها، وأيضاً تختلف عنها غرفة المكتب أو غرفة الاستقبال، بمعنى آخر كل ركن في البيت له رسومات تناسبه، وتناسب ذوق الموجودين فيه.

وبشكل أكثر وضوحاً حول فكرة عملها وكيفية رسم كل قطعة أثاث، تقول: «كما قلت لكل قطعة أثاث في المنزل ما يناسبها من رسومات وديكور خاص بها، حيث تصير في النهاية جزءاً من منظومة جمالية داخل المنزل، فمثلاً عند الرسم على أثاث غرفة النوم اتخذ من السقف بداية، وأقوم برسمه بما يتفق والأثاث الموجود بالحجرة من حيث التصميم والألوان، وأهم ما أبرزه في السقف هو جمال السماء والسحاب أيضاً، وإبراز الطيور لتعبر عن الحرية والحيوية داخل المكان، وجميع ما هو خشب في الحجرة أرسمه، وبعد ذلك اتجه إلى قطع الأثاث الأخرى في غرفة النوم كالسرير والدولاب وغيرهما».

أما فيما يتعلق برسومات غرفة الأنتريه على اعتبار أنه من أساسيات الأثاث في المنزل فتقول: «أكثر شيء أركز عليه هو وجود لوحات بشكل بسيط ورقيقة هادئة لنظرة العين وجميعها تكون «مودرن»، وأيضاً الرسومات التي تكون على قطع الأثاث هادئة وبسيطة جداً وقليلة الزخارف».

أما حمام المنزل فله طبيعة رسم خاصة، حيث تحرص هاوية الرسم على أن تحتوي جدران الحمام على ألوان زاهية مثل الأزرق، أيضاً تهتم كثيراً بالرسم على الأحواض، خصوصاً «البانيو» الذي يتحول مع الرسم إلى منظر طبيعي لمجموعة من الطيور، وأيضاً الأرضيات.

وبسؤالها عن الألوان التي تميزها كهاوية لهذا الفن تقول: «دائماً ما استخدم أي لون يدخل به الرمادي والأبيض والألوان التي تعيدك إلى الماضي الجميل»، وتتابع جيهان: «قد يشعر البعض بأن هذه الألوان قديمة، ولكن بالتدقيق فيها تجدها أكثر تعبيراً عن الفخامة والجمال، بدليل أن مصممي الديكور العالميين باتوا ينحازون في تصميماتهم للماضي وما يحمله من روعة في كل شيء».

وحول نوعية الفئات المهتمة بفن الرسم على الأثاث، تؤكد أن هناك إقبالاً شديداً على فن الرسم على الأثاث من جانب فئات المجتمع، خصوصاً الطبقة الراقية، موضحة أن الإقبال على الألوان والرسم ليس بالأمر الجديد، بل هو أمر كان موجوداً قديماً، وأستطيع أن أقول إن التراث يعيد نفسه حالياً، حيث كانت الأسر قديماً تعتبر الفن شيئاً أساسياً في المنزل، وهذا ما تذهب إليه العقول الآن.

ولأنها هواية غريبة فمن الطبيعي أن يصادف جيهان مواقف أغرب، تتذكر وهي مبتسمة: «تعرضت لنقد شديد من أحد الأشخاص لما رسمته في منزله حتى انني قمت بإعادته من جديد، ولكني لم أندم، فالكثير منا يخطئ، وهذا وارد».

طريق جيهان إلى العالمية، لا يعني تقليد الغرب أو مجاراتهم في رسوماتهم، بل هي متمسكة بتراثها العربي الذي تستلهم منه معظم إبداعاتها، شجعها على ذلك الإقبال الكبير على رسوماتها المستوحاة من التراث أثناء اشتراكها في معارض عالمية التي يصل عددها إلى 6 معارض، مؤكدة أن بعض ما نفذته من أفكار تم عن طريق استخدام الطبيعة وتسخيرها في هذه الأعمال بما يجعلها تعيش أطول، الأمر الذي لاقى نجاحاً كبيراً خارج مصر.

عدد اللوحات التي قامت برسمها هاوية الرسم يصل إلى ألف لوحة تقريباً، لكن أقرب لوحة إلى قلبها عندما قامت بتصميم لوحة لمنزل ورسمت على رأسه قرداً يجلس على شجرة في تعبير عن جمال الطبيعة.

وتنهي هاوية الرسم على الأثاث بأن فنها الآن أصبح له قيمة كبيرة يشعر بها الناس حالياً، وتقول إن عملها هذا رسالة خاصة لست البيت، لأنها أكثر الفئات اهتماماً به، موضحة أن فن الرسم على الأثاث والحوائط وغيرهما يعيدك إلى زمن مفعم بالحيوية والبهجة وعبق الماضي.

القاهرة - دار الإعلام العربية