فجأة ودون سابق إنذار انقلبت السينما المصرية رأسًا على عقب، فبعد أن كانت تقدم سير العظماء والمشاهير في مجالات السياسة والفن في أفلام سينمائية مثل «أيام السادات»، «ناصر 56» وغيرهما، تحولت فجأة لتناقش قصص حياة السفاحين والمجرمين في ظاهرة جديدة على السينما المصرية، فبعد تقديم الراحل أحمد زكي أفلاماً عدة رصدت السيرة الذاتية للزعماء جمال عبد الناصر، وأنور السادات.

وللعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، جاء صناع السينما الحاليون ليقدموا أفلامًا عن سفاح المهندسين، وبلطجي مصر القديمة، وإمبراطور مخدرات الصعيد.والمتابع للحركة السينمائية سيجد أن الموسم الصيفي الحالي يضم فيلمين جديدين ترصد فيهما السيرة الذاتية لسفاح ومجرم، والفيلم الأول الذي تم عرضه كان فيلم «إبراهيم الأبيض»، والذي يقوم ببطولته أحمد السقا مع محمود عبد العزيز وهند صبري وعمرو واكد، عن القصة التي كتبها عباس أبو الحسن، وأخرجها مروان حامد، ويحكي الفيلم عن قصة حياة بلطجي مصر القديمة - إحدى المناطق العشوائية في مصر- إبراهيم الأبيض الذي وجد نفسه مجرمًا دون إرادة منه بعد أن رأى بعينه والده.

وهو يُقتل أمام عينيه ليصبح بعد ذلك أحد أشهر المجرمين في مصر، والذي تطارده الشرطة وعصابات الإجرام المختلفة من تجار مخدرات وسلاح إلى أن يتم قتله في نهاية الفيلم عن طريق الخيانة، ورغم اختلاف نهاية الفيلم عن النهاية الحقيقية لإبراهيم الأبيض الأصلي إلا أن الفيلم يعد تأريخًا لحياته.

وعلى القائمة نفسها يأتي فيلم «السفاح» الذي يقوم ببطولته هاني سلامة مع نيكول سابا عن القصة التي كتبها الفنان خالد الصاوي، وأخرجها سعد هنداوي، وهو الفيلم الثاني الذي يرصد قصة حقيقية عن حياة سفاح المهندسين - أحد أحياء القاهرة الراقية- أحمد حلمي المسيري، والذي أثارت قضيته الرأي العام المصري لفترة طويلة، وذلك لغموض القضية وملابساتها وتنوع الجرائم التي قام بها حتى تم القبض عليه ومحاكمته العام 1994.

ويتطرق الفيلم للكيفية التي أصبح بها المسيري سفاحًا رغم أنه من عائلة ثرية وتتقلد مناصب عليا داخل الدولة حيث يعرض الفيلم الأبعاد النفسية والاجتماعية والتي كان سببها التفكك العائلي والأحداث التي مر بها أثناء طفولته.

والتي أثرت في تكوين شخصيته، ومنها مشاهدته لوالدته في أحضان زوجها الجديد بعد طلاقها من والده، بجانب معاملة أبيه القاسية له وهو ما دفعه للهروب إلى عمته التي تسكن في العراق، وهناك يتعرف إلى «أبو رعد» الذي يجسده خالد الصاوي، وهو قاتل مأجور يشركه معه في إحدى المهام الخاصة بقتل جنود في الجيش الإيراني.

ويعتبر الفنان أحمد السقا هو السباق في رصد حياة المجرمين حيث سبق له وقدم العام الماضي فيلم «الجزيرة» والذي يحكي قصة حياة إمبراطور النخيلة «عزت حنفي»، والذي استحوذ على جزيرة، وجعل منها دولة داخل الدولة، مما اضطر الحكومة إلى قصف الجزيرة بمن عليها عن طريق طائرات وقوات من الجيش والشرطة.

محاكاة السينما الأميركية

والسؤال الآن، هل ستتحول السينما المصرية خلال الفترة المقبلة لترصد حياة المجرمين والسفاحين بدلاً من الشخصيات العامة والتاريخية؟!

الناقد الفني رفيق الصبان يقول: ما يحدث حاليًا من عرض لمسيرة المجرمين والسفاحين ما هو إلا عبارة عن محاكاة للسينما الأميركية، حيث حشدت السينما الأميركية طيلة الفترة الماضية أفلامًا عديدة عن سفاحين ومجرمين وحققت هذه الأفلام نجاحات كبيرة على مستوى الإيرادات وحقق بعضها نجاحًا على المستوى الفني والنقدي، ولكن السينما الأميركية تختلف عن السينما لدينا في أنها تتمتع ببيئات مختلفة.

بالإضافة إلى أن شعبها يعشق أفلام الأكشن على عكس مجتمعاتنا العربية التي تكره الظلم والاستبداد، وهو ما جعلني استغرب جدًا أن تتحول هذه الظاهرة للسينما المصرية.

ورغم أننا قدمنا من قبل سيرة ذاتية لأدهم الشرقاوي والذي وصفته السجلات الحكومية والإنجليز بأنه مجرم، إلا أن الشرقاوي كان بطلا شعبيا يستحق هذا لأنه كان يدافع عن حقوق الناس وهو بطل بكل المقاييس، أما إبراهيم الأبيض أو أحمد المسيري فلا يتعديا أن يكونا مجرمين فقط.

ويضيف الصبان: اعتقد أن الغرض من التوسع في مثل هذه الموجة هو غرض تجاري بحت، حيث بمجرد عرض فيلم «الجزيرة» العام الماضي وهو الفيلم الذي سرد قصة مجرم متخصص في أعمال المخدرات والسلاح وجدت هذا العام أكثر من فيلم وسنرى خلال المواسم القادمة أفلاما أخرى على نفس الشاكلة، لأن مشكلتنا تكمن عندما ينجح فيلم تجد 330 فيلما تسير على نفس النهج.

وتختلف معه في الرأي الناقدة ماجدة موريس والتي تقول: السيرة الذاتية مصطلح لا يمكن إطلاقه إلا على أعمال لأشخاص معروفين يتفق على معرفتهم الشعب بأكمله أو نسبة كبيرة منه تتجاوز ال50% منه، وهذا لا يتحقق مع فيلمي «إبراهيم الأبيض» و«السفاح» لأن بطليهما غير معروفين لنصف الشعب،.

كما أن كليهما لا يرتبط بمدة زمنية محددة على عكس «دكان شحاتة» مثلا والذي يبدأ بموت السادات وينتهي بالتعديلات الدستورية، ولكن يمكن إطلاق مصطلح سينما العنف والفئات الفقيرة التي نمت وكبرت في ظل غياب الدولة وضعف دورها، وهذه الموجة ابتدأها أحمد السقا الذي ابتدأ سينما الأكشن من قبل.

وتضيف موريس: بغض النظر عن كون أبطال هذه الأفلام مجرمين فإن السينما لا تستطيع أن تكون بعيدة أو بمنأى عن الأحداث الجارية من ظواهر مجتمعية أو أشخاص أثروا في مجموعة من الناس، ولكن الفيصل في هذا الموضوع هو كيف تقدم هذه النماذج، حيث يشترط وجود الخير والشر والصواب والخطأ والجميل والقبيح في الفيلم، لا أن يركز على جانب واحد فقط.

ليست ظاهرة جديدة

الفنان خالد الصاوي مؤلف فيلم السفاح يقول: لست الوحيد الذي يقدم هذه النوعية من الأفلام فهي تحكي عن نماذج من لحم ودم وموجودة بالفعل في المجتمع، فقد سبقتني أفلام كثيرة منها «اللص والكلاب» و«جعلوني مجرما» وغيرهما الكثير، فهذه الأفلام موجودة طول الوقت وليست ظاهرة جديدة على السينما المصرية كما يدعي البعض، فالمجتمع المصري مليء بمثل هذه النماذج والتي تحتاج فقط للبحث والتنقيب عنها، لأنها خرجت بعد الضغط عليها بسبب الواقع المرير الذي عاشته.

وعن سيره على نهج فيلم «الجزيرة» نفى الصاوي ذلك، وقال: فيلمي أخذ موافقة الرقابة عليه منذ العام 2001، أي قبل وجود عزت حنفي إمبراطور النخيلة الذي تحدث عنه فيلم «الجزيرة»، وكانت المشكلة الوحيدة في إيجاد منتج يتحمس للعمل وهو ما وجدناه مؤخرًا.

يتفق مع الرأي السابق الفنان عباس أبو الحسن مؤلف فيلم «إبراهيم الأبيض»، والذي قال: رغم أن فيلمي وفيلم الجزيرة قام ببطولتهما الفنان أحمد السقا إلا أن كليهما مختلف تماما عن الآخر ففيلمي أعمل عليه منذ ثماني سنوات أي قبل «الجزيرة» بكثير، كما أن قصتيهما مختلفة عن بعضهما البعض، فالجزيرة يحكي عن تاجر مخدرات وسلاح أما «إبراهيم الأبيض» فيحكي عن شاب يجد نفسه مجرما ليدافع عمن يحب.

وعن استغلاله لموجة تمجيد المجرمين قال أبو الحسن: أولا أنا لا أقدم سيرة ذاتية لإبراهيم الأبيض أو أحكي قصة حياته فقد تكون هناك بعض الأحداث متشابهه مع الواقع إلا أن معظم أحداث الفيلم من وحي خيالي.

وقد شهدت السينما المصرية على مدار تاريخها أفلامًا عدة تتحدث عن الجريمة وبعض الأشخاص الذين يتحولون فجأة لمجرمين غير أن تلك الأفلام لم تكن كلها تطرح في موسم سينمائي واحد، ولعل أشهر الفنانين الذين برعوا في تقديم أدوار الشر كانوا فريد شوقي ومحمود المليجي وزكي رستم واستيفان روستي وتوفيق الدقن.

وتعتبر فترة الخمسينات وبداية الستينات من أكثر الفترات التي شهدت تواجد أفلام تتحدث عن الجريمة والمجرمين ومن أبرز هذه الأفلام «جعلوني مجرما»، «اللص والكلاب»، «رصيف نمرة خمسة»، «سوق السلاح»، «سواق نص الليل»، «عبيد الجسد»، «سواق الحسينية»، «الفتوة».

وبعد اختفاء هذه النوعيات من الأفلام عادت للظهور مرة أخرى في أواخر السبعينات ابتداء من فيلم «الباطنية» بطولة نادية الجندي ومحمود ياسين وفريد شوقي وإخراج حسام الدين مصطفى، ثم أفلام «سونيا والمجنون»، «الإخوة الأعداء»، «الشياطين» الذي قام ببطولته حسين فهمي ونور الشريف واللذان عادا ليقدما فيلم «العار» مع محمود عبد العزيز، وفيلم «الرجل الثاني» والذي حظي بنجاح كبير وقام ببطولته رشدي أباظة وصباح وأخرجه عز الدين ذو الفقار.

القاهرة - دار الإعلام العربية