فجأة ومن مقدمات تغيرت حال الأغنية العربية فبعد مواويل كوكب الشرق، أم كلثوم، وآهات العندليب، عبد الحليم حافظ، أصبح المستمع العربي تحت تأثير وتخدير أغاني الحواس التي لا تشعل حماساً أو روحاً بأداء متطفلي الوسط ومفتقدي الموهبة، وللأسف أصبح لهم جمهور يجدون ضالتهم البصرية على وقع تنطيطات وحركات بهلوانية، وأصبح المتلقي أمام هذه الأغنيات عاجزاً عن فهم كلاماتها أو المغزى منها. «الحواس الخمس» يدق ناقوس الخطر أمام ظاهرة ال«عري كليب» التي أضحت بوابة عبور لبعض من لا يملكون سوى فن الإغراء.

المتابع والمتأمل للأغنية العربية المصورة يرى الإصرار الواضح لدى معظم منتجي ومنفذي مشاهد التصوير على الرقص الذي بات جزءاً من تكوين الأغنية، فبعد أن كانت الأغنية تتمتع بمصداقية عالية تحكمها شروط وأسس وقواعد يتفق عليها بالإجماع من قبل لجان تحكيمية للحصول على استحقاقات تخول هذه الأغنية وذاك المطرب.

أو تلك المطربة للانضمام إلى نخبة منتقاة من الفنانين المبدعين بعناية فائقة ومنحها بالتالي فرصة البث المباشر عبر قنوات الإرسال الإذاعي كعمل مختار ومميز لكي يحظى بالفرصة ويتم إيصالها للمستمع الذي كان يتمتع بذائقة ليس من السهل إرضاؤها.

كانت تتنوع الأغنيات بعضها يتحدث عن علاقة الرجل بالمرأة، وأخرى عن الحب أو حنان الأم أو وتراب الوطن، وكانت هناك أغان بالفصحى لبعض كبار الشعراء مثل شوقي وإبراهيم ناجي، إضافة إلى الأغاني الهادفة للمونولوج الكوميدي «إسماعيل ياسين» وأغاني الديالوج التي اشتهر بها محمد فوزي، والأوبريتات «مجنون ليلى»، كما كانت هناك أغان دينية متنوعة.

وسيلة للشهرة

وفجأة وأمام كم هائل من الأصوات خرجت علينا موجة ال«عري كليب» متخذة من الأداء الاستعراضي الإغرائي وسيلة للشهرة والكسب المادي السريع، وأمام هذه الموجة كثيراً ما كان المتلقي يخرج مشوشاً، وعندما تسأله عن الأغنية أو اسم المطرب لا يتذكر سوى الفتيات الجميلات أو اللقطات المثيرة، فنذكر مثلاً «مغنية الحصان» نجلا التي أطلق عليها الكثيرون هذا اللقب بسبب كليب الأغنية، وأيضاً مغنية «الروف» بوسي سمير!

وغيرهن كثيرات، فنسبة التعري خلال الفترة الأخيرة في الفيديو كليب وصلت إلى حد لا يبشر بخير، وهذا يشير إلى حالة الاستقطاب الحاد والمنافسة بين العارضات اللواتي تحولن إلى راقصات ثم إلى مطربات كنتيجة حتمية فرضتها موهبة واحدة لا غير تقوم على فن الإثارة تاركة وراء ظهرها الثقافة السمعية التي كانت منتشرة في الماضي.

والتي أفرزت عمالقة الغناء العربي أمثال أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز وصباح فخري وغيرهم من الذين اعتمدوا على الكلمة الجميلة واللحن الأخاذ والصوت الذي يدخل القلب دون استئذان، دون الاعتماد على المؤثرات الصوتية التي وصفها الملحن حلمي بكر بأنها تحول نهيق الحمار لصوت عصفور يزقزق.

الوقوع في الفخ

الكارثة الحقيقية تبدأ عندما يوافق النجوم على الوقوع في فخ الأغنية المبتذلة والوقوف وسط الموديلز اللواتي يعتمدن على الرقص والتعري، دون الوقوف على ما يمكن أن يلامس مشاعر المستمعين أقصد المشاهدين، لتتوه في الزحام أصوات جميلة أبت أن تتنازل وتقدم فناً لا يليق بها أمثال علي الحجار ومحمد الحلو ومحمد ثروت وغيرهم كثيرون.

مافيا الفضائيات

ولكننا للأسف وسط مافيا القنوات الفضائية التي تذيع الفيديو كليبات بصورة مستمرة دون انقطاع، لتصل إلى منازلنا وأحلامنا وتعيد صياغة رؤانا وصورتنا للآخرين ولأنفسنا، ودافعها الوحيد هو الربح المادي، فالتنافس اليوم ليس من أجل الارتقاء بالمستوى الجمالي والفني، الأمر الذي جعلنا طبق الأصل للقنوات الأجنبية، فلم يعد هناك فرق بين كليباتهم وما يعرض على شاشتنا العربية مع الفارق في أنهم لا يزالون يهتمون بالكلمة واللحن.

ولأن الأغاني اليوم أصبحت مستفزة لحد كبير أطلق برنامج «مكافحة العري والإباحية» بإشراف موقع حركة المقاومة الإلكترونية المصري حماسنا، وتحت شعار «تعالوا عندنا هدوم»، في حملة لمخاطبة مطربات الفيديو كليب اللواتي يستخدمن العري والرقص لترويج أغانيهن، وتتلخص الحملة في إغرائهن بتوفير ملابس محتشمة لهن بنصف الثمن كملابس السهرة المحتشمة والعباءات العربية الطويلة.

والتعهد بالاحتفال بتوبتهن ورفع أسمائهن من القائمة السوداء لمطربي العري والإباحية التي ينشرها موقع الحملة الإلكتروني، وتقول الحملة في إعلانها بشرى طيبة لمطربات العري كليب.

حيث أعلن موقع حماسنا عن تعاقده مع إحدى محلات الملابس المحتشمة من أجل توفير عناء سؤال مطربات العري كليب عن أماكن بيع الملابس المحتشمة، فكان شعار الإعلان كالأتي «إن شاء الله تجدون لدينا الملابس التي تستر عوراتكم على أن تتكفلوا بنصف ثمن الملابس ونحن نشارك بالنصف الآخر»، ويضيف الإعلان توجد لدينا بلوزة حريمي محتشمة فضفاضة حسب الموضة وجميع أنواع الملابس التي تناسبك باحتشام.

ويقول الموقع إنه فور موافقة المطربة المحترمة التي تسعى إلى طريق الإصلاح، فإننا سنحتفل بها، وستجد كل الترحاب من جميع المحترمين والشرفاء؛ مسلمين ومسيحين، مشدداً على أن الهدف من ذلك أننا نريدك أن تستري جسدك وتتركي الملابس العارية التي تجعل منك مجرد سلعة تجارية أو قطعة لحم يتهافت عليها الذئاب، وأن المرأة جوهرة إن اهتمت بأخلاقها وروحها.

من ناحية أخرى طرحت حملة مكافحة العري قائمة جديدة بيضاء للمطربين العرب تنافس القائمة السوداء لمطربات العري كليب، وأوردت الحملة أسماء عدد من هؤلاء الفنانين في لوحة الشرف الأولى للقائمة البيضاء مثل إيمان البحر درويش وعلي الحجار ومنى عبد الغني.

دبي ـ عبادة إبراهيم