لا تزال صورة الفنانة نعيمة عاكف وصوت وقع أقدامها على الأرض في تناغم مع الموسيقى المصاحبة له وهي تؤدي استعراضاتها الراقية في الأفلام القديمة عالقة في أذهان الجميع.
كان ذلك الفن الراقي هو فن (الكلاكيت) الذي ظهر بمصر في الأربعينيات من القرن الماضي من خلال أفلام الأبيض والأسود، واختفى مع رحيل نعيمة عاكف واعتزال الطفلة المعجزة فيروز، ثم عاد مرة أخرى في الفوازير الرمضانية التي قدمتها كل من شريهان ونيللي.(الحواس الخمس) التقى الفنان إبراهيم عاكف الذي يعد واحداً من رواد هذا الفن ليروي تجربته مع (الكلاكيت) والنجاحات العالمية التي حققها، ونتعرف من خلاله إلى سر اختفاء هذا الفن خلال السنوات الماضية. فإلى تفاصيل الحوار.كيف كانت بدايتك مع رقص (الكلاكيت)؟بدأت في السيرك أنا ونعيمة عاكف، وقدمنا الأكروبات، ثم احترفنا (الكلاكيت) على يد إبراهيم البغدادي، وأصبح هو والأكروبات فقرة رئيسية في استعراض السيرك، وحينما اتجهت نعيمة عاكف للسينما، قدمته كفقرة منفردة في الأفلام، وعرف الجمهور فن الكلاكيت من خلالها، ثم قدمته الطفلة فيروز في أفلام أنور وجدي.
وأنا شخصياً طفت 24 دولة على مستوى العالم، على مدار أكثر من 20 عاماً لتقديم الاستعراضات مع فرقتي التي تتراوح أعمار أعضائها بين 14 و16 عاماً.
هل تحدد لنا المواصفات المطلوبة في راقصي هذا الفن؟
أهم هذه المواصفات أن يكون كامل النمو، بداية من الأذن حتى القدم، وأن يكون متوافقاً عضلياً وعصبياً، وأن يتمتع بحس سمعي عالٍ جداً، وحسن استقبال واستيعاب، إضافة إلى ضرورة تمتعه بموهبة قوية منذ الصغر؛ ليتعلم القواعد الصحيحة، ويصبح محترفاً فيما بعد، ويقدم هذا الفن بالصورة التي وصلنا إليها الآن.
كم من الوقت يحتاج إليه الراقص لاحتراف (الكلاكيت) من وجهة نظرك؟
الموهبة هي التي تحدد ذلك. فقد دربت داليا ذات الأربع سنوات في 16 شهراً مع الدفعة التي تخرجت في مدرستي، كما حدث أننى أوقفت اثنين من الدفعة بعد أول استعراض لأنهما لم يظهرا بالمستوى المطلوب، إذ كانت قدراتهما محدودة، واكتشفت ذلك أثناء العروض، لذا يجب أن يكون الرقص المحترف صاحب موهبة أصيلة ثم يأتي دور التدريب والتعليم في ثقلها.
ما الفرق بين (الكلاكيت) و(الفلامنكو) الإسباني؟
يمكن تعريف (الكلاكيت)بأنه أداء حركي، أو استعراض يعتمد على اللياقة البدنية، بدءاً من القدم وحتى الرأس، وتمتزج فيه أشكال مختلفة من الرقصات، لذا فهو أقرب إلى الرياضة منه للرقص، وينظر إليه على أنه فلسفة وفن ورياضة في آن واحد، وله قواعد وأصول في الأداء، ويتمتع بمكانة خاصة في عالم الاستعراض في أمريكا وأوروبا.
أما (الفلامنكو) فهو فلكلور إسباني بحت، يعبر عن طريقة الإسبان في الحياة. ويعتبر(الكلاكيت) الروسي نوعاً من الفنون الشعبية يقدم في بلاده في المناسبات والحفلات الخاصة فقط.
لماذا تحتكر الأكاديميات الخاصة والمدارس الكندية والفرنسية والأمريكية (الكلاكيت)؟
نعم، هو كذلك بالفعل، والسبب أن هذه الأكاديميات والمدارس هي الأعلم به، وبرغم أنني قدمت استعراضات على مسرح دار الأوبرا حظيت بنجاح كبير، إلا أنه تم رفض وضع فرقة الكلاكيت على أجندة الأوبرا، واعتمادها رسمياً، ومن ثم صارت مهمشة، واندثر معها كل ما حققته، لذلك تركت العمل بالأوبرا، واتجهت للتدريس بالمدارس الأجنبية.
حدثنا عن مدرسة الكلاكيت التي أنشأتها؟
هي أول مدرسة مستقلة لتعليم هذا الفن، أسستها قبل تسعة أعوام، وكانت بطلتها ابنتي نوسة، والطفلة المعجزة داليا (4 سنوات)، وكانت أصغر راقصة في العالم. تخرجت أول دفعة من المدرسة بعد 6 أشهر فقط، وبلغ عدد أعضائها عشرين راقصاً وراقصة بين سن الرابعة والسادسة عشر.
وقدمت الفرقة استعراضاً بعنوان (بحرية) في الأوبرا، ونال الاستعراض إعجاب المسؤولين والجهات، كما قدمت أيضا استعراضاً في إيطاليا بلد أول سيرك في العالم، وفرنسا وأمريكا، وأبهرت الفرقة بأدائها المتفرجين في أمريكا وأوروبا.
وبرغم أنني توقعت بعد هذا النجاح عودة (الكلاكيت) إلى السينما والدراما مرة أخرى، لكن الأفلام التجارية التي تخلو من الرقص والفنون الاستعراضية هي السائدة في مصر حالياً.
هل ترى أن ابنتك نوسة خليفة للفنانة نعيمة عاكف؟
قدمت نوسة استعراضات الكلاكيت في كل دولة سافرت إليها مثل إيطاليا، أمريكا، وفرنسا وغيرها، وفي عرض (بحرية) شهد لها الجميع أنها ذات موهبة حقيقية، لكنها تختلف عن نعيمة عاكف؛ لأن نوسة تمثل جيلاً تطور مع هذا الفن فقدمته بشكل مختلف، وأصبح الكلاكيت بالنسبة لها عملاً احترافياً، على العكس من نعيمة التي كانت ممثلة قدمت استعراضات في فقرات مختصرة.
وبسبب ما حققته نوسة من نجاح، أعدت المخرجة الألمانية الشهيرة أوسولا بايرفيلما تسجيلياً عنها إذاعه التليفزيون الألماني، وهذه المخرجة هي نفسها من صورت أفلاماً عن حياة يوسف شاهين ونجيب محفوظ.
لماذا يختلف الكلاكيت الذي تقدمه عما أسسه إبراهيم البغدادي وقدمه من خلال نعيمة عاكف؟
حاولت أن أقدم الكلاكيت في صورة جديدة، لأنه كان رقصاً غربياً بحتاً، فبدلاً من تقديم العروض باثنين من الراقصين أصبح ثلاثة في ضربة قدم واحدة، وهكذا تفوقت على صناع الكلاكيت في أمريكا .
وهذا سر العمل الذي قدمته من خلال ابنتي نوسة والمعجزة داليا، كذلك جعلت الخلفية الموسيقية شرقية، وحاولت أيضاً المزج بين استعراضات السيرك والأكروبات والكلاكيت الغربي والموسيقى الشرقية، وما قدمته إضافة مبتكرة لأن أسس هذا الفن الأولى كانت تعتمد على (الرتم) الغربي وأداء اثنين من الراقصين في كل مرة.
هل تفكر في العودة إلى أمريكا وتقديم استعراضاتك هناك؟
لا، سوف أحاول تقديم هذا الفن في مصر والشرق الأوسط كما كنت أحلم،فما قدمته حتى الآن يمثل نجاحاً عالمياً، وأنا أرغب في تقديمه للجمهور العربي كله بالصورة التي تظهر بحق مواهب أطفالنا في مقابل أطفال العالم، وحتى نؤكد أننا نتطور، وأن هذا الفن راقٍ يستحق أن نتعرف إليه بصورة أفضل.
القاهرة: دار الإعلام العربية

